الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الوسطية تميل اليها النفس وترفض التشدد
الوسطية تميل اليها النفس وترفض التشدد

الوسطية تميل اليها النفس وترفض التشدد

عميد كلية الدراسات الاسلامية والعربية بدسوق بدلتا مصر:
الشريعة الاسلامية تربي المسلمين علي التعايش السلمي وعمارة الارض وهما هدف الاستخلاف من الله للانسان

القاهرة ـ من محمد فتحي:
يقول الدكتور جمال الهلفي ـ عميد كلية الدراسات الاسلامية والعربية بدسوق بدلتا مصر: ان خيرية الامة الاسلامية كائنة في علم الله الازلي بمهمتها في النهي عن المنكر والامر بالمعروف دون سائر الامم وان شريعة ومنهج هذه الخيرية يكمن في الوسطية والاعتدال بعيدا عن التشدد والغلو.
مؤكداً بأن الشريعة الاسلامية تربي المسلمين علي التعايش السلمي وعمارة الارض وهما هدف الاستخلاف من الله تعالي للانسان بتعظيم اراقة الدماء والعنف والدعوة اليهما والى نص الحوار.
بداية يتحدث عن خيرية الامة الاسلامية ومكانتها في الدعوة فقال: يقول الحق تبارك وتعالى:(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) .. يقول بعض المفسرين: كنتم هنا بمعنى صرتم أي صرتم خير أمة، وقيل معناه كنتم في علم الله أو في اللوح المحفوظ، وقيل كان هنا زائدة فمراد الآية أنتم خيرأمة تذكرون المعروف فتعرفونه وتعملون به، وتذكرون المنكر فتعرفون وتجتنبونه قال الماوردي فإن قيل: فَلِمَ قال كنتم خير أمة ولم يقل أنتم خير أمة؟ أجيب: بأن ذلك لتأكيد الأمر، لأن المتقدم مستصحب وليس الآنف متقدماً. فهذه الأمة ذات منهج منظم، وطريق واضح، تعلو به على الأمم.
وحول منهج الدعوة في الخيرية لامتنا قال: منهجها لا يأتي عن هوى لكن يأتي عن كتاب أحكم الحاكمين يقول الحق تبارك وتعالى:(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، ويقول النبي (صلى الله عليه وسلم):(أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ إذًا هذه الأمة من الكتاب والسنة تتبع منهجاً وسطاً لا تفريط فيه ولا مغالاة*، ولذلك نجد الأزهر الشريف ينادي بهذا المنهج ويجعله مهنج الأزهر في تدريس وتعليم علوم الدين.
وقال عن منهج الامة الوسط: إنه ضد التشدد والغلو، وأن المنهج الوسط إن كان موافقاً للنص فهو أيضاً يوافق العقل السليم المستنير، لأن الوسط من كل شيء أعدله فكلمة وسط في الآية الكريمة (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) تعنى العدل.
ويأتي من هذا قول الشاعر في مدح النبي (صلى الله عليه وسلم):
يَا أَوْسَطَ النَّاسِ طُرًّا فِي مَفَاخِرِهِمْ
وَأَكْرَمَ النَّاسِ أُمًّا بَرَّةً وَأَبَا
أي: يا أعدل الناس والوسط أيضا في كل شيء أفضله وأحسنه ولذلك يقول الإمام عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:(عَلَيْكُمْ بِالنَّمَطِ الْأَوْسَطِ، فَإِلَيْهِ يَنْزِلُ الْعَالِي، وَإِلَيْهِ يَرْتَفِعُ النَّازِلَ) فالمنهج الوسط دائماً تتوق إليه النفس بطبعها، وتقصده الهمم بذاتها (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) وكيف لا؟! والمنهج الوسط يكون بين التفريط والمغالاة، فدين الله لا تفريط فيه ولا مغالاة، ينبذ العنف، ويمقت التشدد ولو كان في مظهر العبادة لله تبارك وتعالى، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم):(الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إِلاَ غَلَبَهُ) ولقد أوصانا نبينا (صلى الله عليه وسلم) بعدم الغلو وحذرنا منه، فقال (صلى الله عليه وسلم):(َإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ)، وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّهُ قَالَ:(إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عُبَادَةَ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى).
وفي سؤال حول العبادات والاخلاق والمعاملات وكيف أصلت الشريعة الاسلامية الوسطية قال:ان الدين الإسلامي يدعو إلى التسامح واللين والرفق في الأمور كلها يقول النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ)، فالإسلام دين الوسطية في العبادات والأخلاق والمعاملات ففي العبادات وتجسد المنهج الوسط الآية الكريمة:(لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)، ويقول الحق تبارك وتعالى منبهاً على إتباع المنهج الوسط في الإنفاق:(وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)، وفي الأخلاق ينادي الإسلام بحسن الخلق وهو الخلق الوسط في التعامل مع الغير في غير ذلة ولا استعلاء وحسن الخلق مع الآخرين من بني جنسه، كما عرفه الحسن البصري: كف الأذى، وبذل الندى، وطلاقة الوجه.
ورسم النبي (صلى الله عليه وسلم) المنهج الخلقي العام الشامل في المعاملات فقال:(اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ:(إِنَّ رَجُلًا لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، وَكَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ. فَيَقُولُ لِرَسُولِهِ: خُذْ مَا يَسُرَ، وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ، وَتَجَاوَزْ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَلَمَّا هَلَكَ قَالَ اللهُ لَهُ: عَمِلْتَ خَيْرًا قَطُّ ؟، قَالَ: لَا، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لِي غُلَامٌ، فَكُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا بَعَثْتُهُ يَتَقَاضَى قُلْتُ لَهُ: خُذْ مَا يَسُرَ، وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ، وَتَجَاوَزْ، لَعَلَّ اللهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا)، قَالَ اللهُ تَعَالَى:(قَدْ تَجَاوَزْنَا عَنْكَ “وعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلُ إِيمَانًا قَالَ أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيُّ المؤمين أَسْلَمُ قَالَ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ ويده)، وقد جاء في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد كيف عالج النبي الأمر دون تشدد ولا تشنج عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فِي الْمَسْجِدِ فَبَالَ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ).
وقال: ان الشريعة الاسلامية تربي الانسان على التعايش وعمارة الارض وتحريم القتل، فالدين الإسلامي دين حياة، ينادى بعمارة الأرض والتعايش السلمي مع الآخر، يدعو للبناء والحضارة والرقي في التعامل، ينبذ العنف ويمقت التشدد فقد جاء عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ السَّاعَةُ وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا)، والشريعة الإسلامية تربي الإنسان على بغض الجريمة وتلقي في نفسه شعوراً قوياً بمخاطرها، وإحساساً متدفقاً بضرورة تطهير نفسه من آثارها، والبعد عن أسبابها قال تعالى:(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)، وقال تعالى:(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا)، وجاءت حرمة الدماء في أعلى مراتب الجريمة فجعلتها الشريعة الإسلامية كبيرة من الكبائر بل من أكبر الكبائر، قال الله تعالى:(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) فعاقبه الله تعالى بغضبه عليه، وبغضه له، ولعنة الله عليه، والعذاب العظيم ثم الخلود بأثر جريمته في نار جهنم بل ذهب القرآن في قتل النفس إلى أبعد من هذا فقال الله تبارك وتعالى:(مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، وهذا من عظم الجرم وكبر الذنب وقد جاء في السنة ما يؤيد هذا فقد جاء عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنه قَالَ:(وَاللهِ لَلدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ ولو بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ)، وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا).

إلى الأعلى