الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: تكـريـم الله للإنسان (88)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: تكـريـم الله للإنسان (88)

ناصر بن محمد الزيدي:

الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد :فإن النـبي داود عـليه السـلام لما حـكـم للأول قـبـل أن يـسـتمـع إلى حجـة الناني تييـن له بأنه قـد فـتن أي ابتـلي قال الله تعالى:(وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَاب، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ) ( ص 21 ـ 24).
الصبر مفـتاح الفـرج:
أخـي المسـلم: تعـال معـي كي نعـيـش لحـظـات مع خـلـق مـن أخـلاق والإيـمان، وصفة مـن صفـات الإسلام إلى خـلـق الصبر، لـنأخـذ العــبرة مما نستعـرضه مـن تلـك المواقـف العـظـيـمة التي وقـفها أولئـك الـقـوم الـذين مـلأ الله قـلوبهـم إيماناً، لـتـكـون لنا مناراً ومعـالم في سـبـيـل سـعـادة الـدارين، ذلـك لأن تلـك المـواقـف تعــبر عـن رسـوخ الإيمان، وعـن خالص الاعـتقاد في قـلـوبهـم، وثـمـرة مـن ثـمـراته.
لـقـد كان ثـباتهـم وصـبرهـم تعـبـيراً عـن إخلاصهـم، ورغـبة في رضاء الله ولـو كلـفـهـم أغـلى ما يمـلكـون، أنفـسهـم وأمـوالهـم وهـل يماـك أغـلى مـن نفـسه ، لأنهـم فهـمـوا قـول الله تعالى حـق الفـهـم:(.. وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقـرة 153 ـ 157).
لـقـد فهـمـوا ذلك عـلى حـقـيقـته، وطـبـقـوه تطـبـيقـا يـدعــو إلى الاعـجـاب، ويحـفـز الآخـرين عـلى الاقـتـداء ، فـفي غـزوة أحـد انكـشـف المسلمـون فـتـقـدم أنـس ابن النضر، فاستقـبله سـعـد ابن معـاذ الأنصاري الأوسي، فـقال: يا سـعـد بن معـاذ الجـنة ورب الكعـبة، إني أجـد ريحها من دون جـبـل أحـد.
قال سـعـد بن مـعـاذ: فـتـقـدم أنـس بن النظـر فـقاتـل حـتى قـتـل فـوجـدنا به بـضـعـا وثمانـين ضـربة بسيـف، أو طعـنة بـرمح أو رمـية بسهـم، وقـد مـثـل به المـشـركـون، فـما عـرفه إلا أخـته ببنانه: (أي بأحـد أصابعه).
والصبر لـفـظ عـام، يـنـتـظـم جـملة مـن الفـضائـل، ولذلـك تـعــددت أسـماؤه لكـثرة مـواطـنه، ومظاهـره وخـطـره وأحـواله فـمـثـلاً: الصـبر في الحـرب يعـتـبر شـجاعـة، والصبر في الـنـوائـب يـوصـف بـرحابة العـقـل وسـعة الصـدر، والصـبر عـلى إخـفـاء السـر يسمى كـتـمان، والصبر عــن الشهـوات يسمى عـفة، وصـبر عـن حـطـام الـدنيا يـعـتـبر زهـداً .. وهـكـذا.
وقـد جـمع الله سبحانه وتعالى بعـض مـواقـف الصـبر، في قـوله:(لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقـرة ـ 177).
والصـبر لا يناقـض الاحساس بالألـم، لأن هـذا الاحـساس أمـر طـبـيعي، ولـيـس معـيـباً، وإنما المعـيـب هـو الخنـوع والخـضـوع والاســتسلام لهـذا الإحساس والـرضا به، أو الاسـتجابة لـدواعـيه الـذي يغـرق صاحـبه في الجـزع والهـوان، قال الله تعالى:(وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء ـ 104).
وفي الحـديث الـنـبـوي الشـريف، قال رسـول الله (صلى الله عـليه وسلم):(اصبروا عـلى الفـرائـض وصابـروا عـلى المصـائب)، وذلـك مصـداق لقـوله سـبحانه وتعـالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عـمران ـ 200).
إذن الـفـلاح مـرتـبـط ارتباطـاً وثيـقـاً بالصبر والمصابـرة والـمرابطة، وبـدون ذلـك لا يتحـقـق الـفـلاح، وان ادعى ذلك مـدعٍ، والـواجـب عـلى الصابـر أن يكـون صـبره معـتـمـداً عـلى الإيمان والـثـقـة بالله لا شـكـوى معه، ولـنا في النبي يعـقـوب ـ عـليه السلام ـ أسـوة حـسـنة قال الله تعـالى:(وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُون، قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ، وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ) (يوسف 16 ـ 18)، ومـنه قـوله تعـالى:(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف ـ 83).
وقال الـرسـول (صلى الله عـليه وسلم) عـن مكانة الصـبر:(ما أعـطي أحـد عـطاء خـيراً له وأوسـع مـن الصـبر)، وقال في حـديـث آخـر:(الصبر ضياء)، وقال عـمـر بن الخطاب ـ رضي الله عـنه:(خـير عـيـش أدركـناه بالصـبر).
ونـرى القـرآن الكـريـم يـدعـو إلى الصـبر في عــدة مواقـف، حـيـث يقـول الله سـبحانه وتعـالى:(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهـف ـ 20)، وقال:(وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (هـود ـ 115)، وقال:(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ..) (الـروم ـ 60)، وقال:(وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) ويقـول:(.. فَاصْبِرُوا حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (الأعـراف ـ 87).
والصـبر صـفة مـن صـفات أولـئـك الصـفـوة مـن خـلـق الله، مـن الأنبياء والـرسـل فـيـقـول الله عـن النبي أيـوب ـ عـليه السلام:(.. إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص ـ 44)، وقـال:(وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ) (الأنبياء ـ 85).
وأمـر الله رسـوله محمداً (صلى الله عـليه وسلم) بالصـبر، أسـوة بمـن سـبـقه مـن الأنبـياء والـرسـل فـقـال:(فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) (الاحقاف ـ 35).
وفي سـورة الأنعـام مـوقـف اسـتعـرض الله بعـضاً مـن مـواقـف الأمـم السابقة، مـن رسـلها لـيكـون الـرسـول (صلى الله عليه وسلم) عـلى بـيـنة مـن الأمـر، وتـطـمـيـناً له إذا ما كـذب مـن قـبـل المعـانـدين فـقال:(وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) (الأنـعـام ـ 34).
ويأمر الله رسـوله (صلى الله عـليه وسلم) بتحـريـض المـؤمنيـن عـلى القـتال في مـواطـن الشـده، ويحـثهـم عـلى الصبر فـيقـول:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ) (الأنفـال ـ 65).
.. وللحديث بقية.

إلى الأعلى