السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بوتين وتعزيز الشراكة مع نتنياهو

بوتين وتعزيز الشراكة مع نتنياهو

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

قبل مغادرته موسكو وضع نتنياهو النقاط على حروف حصاده الوفير: “روسيا غدت صديقة وهي ليست بديلًا لأميركا”، وعاد بأكثر من إشادة بوتين بما دعاه “جهودًا مشتركةً” لمواجهة الإرهاب مضيفًا: “وإسرائيل تعرف معنى ذلك حق المعرفة، وتكافح الإرهاب، ونحن حليفان في ذلك بلا شك، ويراكم بلدانا خبرة كبيرة في مجال مكافحة التطرف، ونحن سنعزز الاتصالات في هذا المجال”

ليست لقلة فطنة، ولا مبعثها جهالة سياسية، وإنما هي من أعراض بلوى الوهن العربي، هذا الذي وكأنما لا بد وأن يلازمه إغفال لا معقول لإدراك أبسط حقائق العلائق بين دول المنظومة الكونية، وفي كل حالاتها، العدائية والتحالفية والمابينهما. أولاها، ونكتفي بها في هذه العجالة، أنه ما من سياسة خارجية خيرية، وإنما ما تحددها المصالح أولًا وتاليًا وأخيرًا. وهي إن لبست أحيانًا، أو اُلبست غالبًا، ثوبًا أيديولوجيًّا ما، فقد تسارع لخلعه حين يلزم الأمر كما تخلع الحية جلدها، أي تبقى مصالحها هي ثابتها الوحيد.
ما تقدم ينعت تلطيفًا بالبراغماتية، وهذه بلغة ما يعرف بـ”المجتمع الدولي”، أو ما يعني واقعًا وفعلًا في السياسة الكونية الغربي، لا من ترجمة لها سوى ما هو النقيض لكافة ما يرفعه من شعارات ولافتات مزعومة حول القيم والمواثيق والمبادئ والحقوق الإنسانية، وصولًا إلى التجرُّد غالبًا من كل ما يمت للأخلاقية بصلة…أو هاته التي لا يتعلق بقشتها عادةً سوى الضعفاء وحدهم ولطالما كانت تخذلهم، وليس هذا فحسب، بل تتحول ذرائع غب الطلب تُستخدم انتقائيًّا للبطش بهم لإخضاعهم والهيمنة على قرارهم ومقدَّراتهم.
نقول هذا ونستدرك بأن الموضوعية تستوجب منا الإشارة إلى أن الأمور هنا تظل نسبية، كما لا تجوز مساواة غير الغرب بهذا الغرب، لكنما يجوز الجزم بأننا إزاء سمة دولية، ومن هنا ندلف إلى ما نحن بصدده والذي كان مدعاة لاستهجان بعض العرب، وهو هذه الوصلة الدفئوية في العلاقات الروسية الصهيونية التي طبعت طقوس ومراسم احتفالية الكرملين بمرور 25 عاما على العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين، ومظهر تحويلها إلى موسم سياسي واقتصادي لخصه نتنياهو، الحال ضيفًا مرحبًا به لثلاث أيام حافلات بدفء المناسبة، بـ”العديد من الاتفاقيات المهمة في مجالات الطاقة والزراعة والمعاشات التقاعدية، والحفاظ على الحقوق الاجتماعية والتسوية الجمركية”، ولدرجة أن تصدح صحيفة “إسرائيل اليوم” النتنياهوية الهوى بأن “شبكة العلاقات بين تل أبيب وموسكو في حالة ازدهار غير مسبوقة”، وأن تنوه بأن هذه العلاقات ومع قوة عظمى كروسيا تعد “ذخرًا استراتيجيًّا حقيقيًّا” بالنسبة للكيان الصهيوني.
في التفاصيل، ما هذا إلا غيض من فيض سبقه. صادرات الكيان لروسيا تصاعدت خلال العامين الأخيرين، والتبادل التجاري فاق الثلاثة مليارات، وتعاون في كافة مجالات ما تدعى التكنولوجيا الرفيعة أو المتقدمة ومنها العسكري، أما المستجد فيعني المزيد من انفتاح الأسواق الروسية للبضائع الصهيونية، والأمر مثله بالنسبة للسياحة الروسية إلى الكيان، إلى جانب انصباب الأموال الناجمة عن تعويضات ومعاشات تقاعد لمئات الألوف من يهود السوفيت الذين هجروا بلادهم وانهالوا على فلسطين المحتلة وبينهم ما يقارب الثلاثين ألفًا من المتهوِّدين الزائفين الذين لم يبت الحاخامات حتى الآن في يهوديتهم، وبهم تعززت عملية تهويد فلسطين، وليبرمان واحد منهم… أهو مكافأة لهم على تركهم لبلادهم لاستعمار بلاد الآخرين؟! وأخيرًا، ما يقال عن وعد روسي بعدم تزويد العرب بصواريخ إسكندر.
إنه لا من غرابة في هذا، خصوصا إذا ما استحضرنا زيارة بوتين لفلسطين المحتلة وتذكَّرنا تصريحاته آنذاك، وإذا ما عرفنا أنه ونتنياهو التقيا للمرة الرابعة خلال عام والثانية فيما هو أقل من شهرين، وسبق هذه الأخيرة كرمًا روسيًّا أعاد للكيان دبابته التي أسرها الجيش العربي السوري في معركة السلطان يعقوب في لبنان 1982 وأهداها السوريون للأصدقاء السوفيت في حينه، الأمر الذي وصفه نتنياهو وهو يتفقد هذه الدبابة في متحف الدبابات الروسية باللفتة التي تستحق الإشادة…وكله مفهوم ولأمرين:
الأول، أننا إزاء روسيا البراغماتية والأقرب منها إلى روسيا القيصرية منها إلى السوفيتية التي اعتدناها سابقًا، بمعنى القوة العظمى التي جار عليها الزمن وتحن إلى أيامها الخوالي، وتسعى لاستعادة دورها الكوني الغابر الذي افتقدته بأفول الاتحاد السوفيتي، لكن دون مبادئه أو مواقفه…بهذا فحسب اختلفت عن بقية أيتام السوفيت في شرق أوروبا، لكنها اتفقت معهم على أهمية المعبر الصهيوني إلى الغرب. هم باعتباره أسهل الطرق للارتماء في أحضانه، وهي، وإذ تعلم، ومنذ القياصرة، أن هذا الغرب لن يحتضنها ولن يتركها وشأنها أو يكفيها شره، تأمل في هذا الممر ميسرًا لنوع ما من الشراكة مع هذا الكاره لها قد يكفيها بعض أذى مقاطعته ويستدر الاستثمارات الصهيونية، إلى جانب أن في توثيق العلاقة مع الكيان الصهيوني ما قد يسهِّل لها استعادة تأثيرها في منطقة لم تعد أكثر أنظمتها ترى فيه عدوًّا. إنه الأمر الذي التقطه الصهاينة ملوِّحين بجزرة الدور الموعود والوسيط المستقبلي في انعقادات بازارات التسوية في مسلسل عروض التصفية للقضية الفلسطينية، لكن مقابل تفاهمات تنسيقية بين جيشيهما في سوريا، وتطمينات روسية بمحدودية التقارب مع الإيرانيين وعدم الذهاب أكثر في العلاقة معهم.
…قبل مغادرته موسكو وضع نتنياهو النقاط على حروف حصاده الوفير: “روسيا غدت صديقة وهي ليست بديلًا لأميركا”، وعاد بأكثر من إشادة بوتين بما دعاه “جهودًا مشتركةً” لمواجهة الإرهاب مضيفًا: “وإسرائيل تعرف معنى ذلك حق المعرفة، وتكافح الإرهاب، ونحن حليفان في ذلك بلا شك، ويراكم بلدانا خبرة كبيرة في مجال مكافحة التطرف، ونحن سنعزز الاتصالات في هذا المجال”…لم يقل لنا بوتين أي إرهاب يكافحه الكيان الصهيوني، وأي تطرُّف يواجهه وزير حرب معتدل من أمثال ليبرمان؟! وهل ثمة ما يعنيهم سوى المقاومين للاحتلال الصهيوني؟!

إلى الأعلى