الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عملية تل أبيب

عملية تل أبيب

زهير ماجد

من المؤكد أن عملية تل أبيب البطولية الأخيرة لم تعجب الرئيس الفلسطيني ولا بعض محسوبيه، وهو ما ليس مهما في حسابات لها علاقة باليقظة الثابتة للشعب الفلسطيني ، وبروح ما زالت متأججة، وبقوة داخلية لكل فلسطيني تمكنه من الشهادة في ظل سؤال من الباقي الوطن أو الشخص. هذا التطور سيعكس ظلالا على شخص أفيجدور ليبرمان وزير الحرب الذي كادت العملية أن تكون في عقر مقره. فالرجل وقح ومتسرع، وقاحته في نظرة العلياء للفلسطيني، وتسرعه أن ظنونه قد تأخذه إلى ارتكاب جرائم بحق أهل الضفة الغربية التي تنوء تحت أكثر من أربعمئة مستوطنة.
بدون شك هي ضربة في القلب من إسرائيل، أن تكون تل أبيب المستهدفة، يعني أن ذراع الفلسطينيين طويلة وحاسمة في الوصول إلى أي مكان إسرائيلي. أرى أن كل عملية فلسطينية في الداخل هي ممارسة شوق للوطن الحي في النفوس. لا يمكن تنفيذ عمليات من هذا النوع الذي معروف النهايات لمنفذيه، إلا إذا علت درجة الالتحام بمعنى الشهادة، وأصبح الوطن الفلسطيني مسيطرا سيطرة تامة على الروح والجسد في آن معا.
والحق يقال، إن الشعب الفلسطيني وضع روحه على كفه منذ لحظات النكبة الأولى. تشخيص هذا الإحساس لا يحتاج لفحص الدم، مجرد نظرة في وجوه الفلسطينيين نعرف النتيجة، مجرد سماع غربة الصوت نقدر سيطرة البعاد عن الوطن .. ثم إن كل فلسطيني أينما كان لا يرى في رئيس السلطة محمود عباس ممثله الحقيقي الذي يؤتمن له، هنالك فرق كبير بين الرئيس وبين شعبه، بين تكوينه التاريخي المعروف، وبين حركة وطنية أخطأت في بعض الممارسات، لكنها قدمت خيرة شبابها، وكادت لولا ألاعبيب بعض العرب وتهاوي بعض القيادات من الصمود حتى اللحظة في معارك مصيرها، وفي خياراتها الحرة.
من المطلوب أن لا يتوقف سيل العمليات المشابهة لما جرى في تل أبيب. كل الآفاق مفتوحة لاختراق المدن والمستوطنات وعالم الخوف الإسرائيلي الذي يتحسس وراء كل عملية من هذا النوع، بأنه مخطئ في خيار إقامته لأنه في المكان الخطأ، وأن الفلسطيني هو صاحب الأرض، ومهما غالى في تعصبه سوف يجد مرة أخرى مهارات جديدة لدى الفلسطينيين تحاكي حس الشهادة عنده.
من المؤسف القول إن الأمن الفلسطيني في الضفة يمارس دورا أبشع مما يمارسه الإسرائيلي في مستوطناته. بات يحفظ عن ظهر قلب موقف رئيس السلطة المدمر لكل ممارسة بالسلاح مهما كان، وربما بالكلام أيضا، ونخاف أن يصل الأمر إلى منع ظهور العلم الفلسطيني أيضا في المسيرات، ومنع الهتافات المحرضة. موقف من هذا النوع سوف يسقط دائما، لن يعيش ما هو ضد طبيعة الفلسطيني وتركيبته والقوى التي يمتلكها لكي يعبر بها عن وجوده الوطني.
شكرا لمن نفذ عملية تل أبيب، ولكل من يستعد لعمل مشابه، بل للأطفال الذين تكبر فيهم قضيتهم وتسمو، وحتى للأجنة الذين يشربون إحساس أمهاتهم وولائهم الوطني الصميم. ولسوف يقال في حضرة الغضب، أن يكون فاعلا كما حدث في تل أبيب .. هي عملية أقل ما يقال فيها إنها أثبتت أن الفلسطيني وإن صمت فمه أو نزل عند رغبة السلطة، لكنه يحمل في دواخله كل الإرهاصات الثورية التي لن تتمكن منها أية سلطة.

إلى الأعلى