السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فضل القرآن في رمضان (1)

فضل القرآن في رمضان (1)

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري :
إن بين القرآن والصيام علاقة متينة، فمن أعظم وأهم الحكم من مشروعية صيام نهار رمضان هو تهيئة القلب لتدبر القرآن حين القيام به في الليل، والمشاهد أن كثيراً من الناس يفوتون على أنفسهم هذه المصلح العظيمة حينما يسرفون في الطعام والشراب وقت الإفطار والعشاء.
لقد أثبت الطب الحديث، والطب البديل أهمية الصيام لصفاء القلب وقيامه بوظائفه المادية والمعنوية.هذا القرآن من تمسك بك نجا ، ومن اعتصم به اهتدى، قال (عليه الصلاة والسلام) في خطبته في حجة الوداع كما ثبت في صحيح مسلم قال:(تركت فيكم ما إن اعتصمت به فلن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي).
إذن القرآن والصيام قرينان وشقيقان، يقول (عليه الصلاة والسلام):(الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول القرآن رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه، ويقول الصيام: رب منعته الطعام والشهوات والشراب بالنهار فشفعني فيه، فيشفعان)، فكان سلف الأمة إذا أقبل هذا الشهر طوى العلماء كتبهم وتفرغوا لكتاب الله ـ جلّ وعلا ـ فكان البعض منهم يختم القرآن في الشهر ثلاثين مرة، وروي عن الشافعي أنه ختم القرآن في رمضان ستين مرة ختمة بالليل وختمة بالنهار، هكذا كانوا يهتمون بكتاب الله عز وجل غاية الاهتمام، حتى إن النبي (صلى الله عليه وسلم) ليأتيه جبريل في رمضان لا يأتيه إلا في رمضان من أجل أمر سام نبيل وهدف عظيم وهو مدارسة القرآن فإن أردت حقاً تدبر القرآن والتأثر به فعليك بهذا المفتاح العجيب، وخاصة في رمضان إنه الصيام، الصيام الصحيح الذي يحرص فيه الصائم على تطبيق ما جاء في حديث المِقْدام بن مَعْدي كرِب قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(ما ملأ ابنُ آدم وعاءً شرّاً من بطنٍ، بحسب ابن آدم لقيماتٌ يقِمْن صلبَه، فإن كان لا محالة فثُلُثٌ لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسِه) ـ رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وهذا الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها، وقد روى أن ابن أبي ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام، ليس معنى الصوم أن تمسك عن الطعام والشراب مدة ثم تلتهم أضعاف ما أمسكت عنه؛ هذا بكل تأكيد ليس صوماً نافعاً.
إن الصوم الذي ينفع صاحبه هو ما يقترن معه عدم الشبع حال الإفطار، إن كنت في وقت فطرك تتقاضى من وقت صومك وترد الصاع صاعين، فهذا ليس بصوم على الحقيقة، بل هو إرهاق للبدن وتعذيب له؛ لأن الهدف من الصوم حماية الجسد عامة والقلب خاصة من سموم الأطعمة والأشربة، ذلك أن القلب إذا استراح من سموم الأطعمة صفا ورق. وإن كثرة الطعام ليثقل صاحبه عن كثير مما يريد، وعن أبي سليمان الداراني قال:(إذا أردت حاجة من حوائج الدنيا والآخرة فلا تأكل حتى تقضيها، فإن الأكل يغير العقل، وعن قثم العابد قال: كان يقال: ما قل طعم امرئ قط إلا رقّ قلبه ونديت عيناه)، وعن أبي عمران الجوني قال:(كان يقال: من أحب أن ينور قلبه فليقل طعمه)، وعن عثمان بن زائدة قال:(كتب إليّ سفيان الثوري: إن أردت أن يصح جسمك ويقل نومك فأقلل من الأكل)، وعن إبراهيم بن أدهم قال:(من ضبط بطنه ضبط دينه، ومن ملك جوعه ملك الأخلاق الصالحة، وإن معصية الله بعيدة من الجائع قريبة من الشبعان، والشبع يميت القلب، ومنه يكون الفرح والمرح والضحك)، وقال أبو سليمان الداراني:(إن النفس إذا جاعت وعطشت صفا القلب ورق، وإذا شبعت ورويت عمي القلب)، وقال:(مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع)، وقال الحسن بن يحيى الخشني:(من أراد أن يغزر دموعه ويرق قلبه فليأكل وليشرب في نصف بطنه)، وقال أحمد بن أبي الحواري:(فحدثت بهذا أبا سليمان فقال: إنما جاء الحديث ثلث طعام، وثلث شراب وأرى هؤلاء قد حاسبوا أنفسهم فربحوا سدساً)، وعن الشافعي قال:(ما شبعت منذ ستة عشر سنة إلا شبعة أطرحها لأن الشبع يثقل البدن ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة).

إلى الأعلى