الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أسرار الصوم وشروطه الباطنية

أسرار الصوم وشروطه الباطنية

اعلم أن الصوم في لغة العرب )الامساك( مجملاً سواء كان الامساك عن الطعام أو الكلام أو غيرهما: يقال صامت الريح إذا أمسكت عن الهبوب وصامت الخيل إذا أمسكت عن الجري، والصوم في الشرع: هو الامساك عن المفطرات بنية مخصوصة في زمان مخصوص، وصيام شهر رمضان هو من العبادات التي فرضها الله سبحانه وتعالى على عباده لأن فيها تنقية للقلب وترقية للأخلاق فاختلفت أصناف العباد في التمسك بهذه العبادة فمنهم من يؤديها كما أمره الله تعالى ومنهم من يعتبر شهر رمضان كغيره من الشهور، ومنهم من يدرك القيمة العظيمة لهذا الشهر المبارك وتفرح نفسه بقدومه ، ويطمئن قلبه بالصوم ولا يرى في الجوع والعطش من مشقة بل تزيده ايماناً وسروراً لأن فرض الصيام لله وهو يجزي به، فيتحول انقطاعه عن المأكل والمشرب إلى بدايه وصله مع خالقه فهو يستشعر عظمة الله في قلبه وتطمئن سريرته وهو يؤدي هذه العبادة فكم من الصالحين كانوا لا ينقطعون عن الذكر والشكر والعبادة ومراقبة الله تعالى والأنس به وهم في جوع وعطش، وكانت فرحتهم بحلاوة الإيمان والقرب من الله تنسيه ألم الجوع وشدة العطش، فكان دأبهم العبادة ورجاء القبول ورضا الله تعالى، والجوع ركن ركين عند هؤلاء الصالحين، حيث يرون أن النفس إذا شبعت عصت وطغت وطالبت بالشهوات، فحري بهم تأديبها بالتقليل من القوت حتى تنقاد لأوامر الله.
ويصح الصيام كغيره من العبادات بالعلم والنية لأنها من واجبات الصوم، وهي من الشروط الباطنة التي لا يعلمها إلا الله، وقد اختلف فيها على قولين: قال بعضهم في كل ليلة من نية معينة جازمة، وقال آخرون: تكفيه نية واحدة من أول ليلة من الشهر ولو نوى الصوم بالنهار لم يجزأه للفرض ولا للتطوع وكذلك لو نوى الصوم مطلقاً أو صوم الفرض مطلقاً لم يجزه حتى ينوي صوم رمضان فريضة من الله عز وجل وأن يجعل نيته لكل يوم من رمضان نية مستقلة ذلك المعمول به والأسهل لئلا تنهدم أيامه بانهدام يوم من صيامه السابق، ولو نوى ليلة الشك أن يصوم غدا إن كان من رمضان لم يجزه لأنها ليست بجازمة إلا أن تستند نيته إلى قول شاهد عدل فاحتمال غلط العدل أو كذبه لا يبطل الجزم، وكذلك إن استند إلى استصحاب حال، كالشك في الليلة الأخيرة من رمضان فذلك لا يمنع جزم النية، ومهما كان شاكاً ليلة الشك لم ينفعه جزمه النية باللسان فإن النية محلها القلب، والقلب لا يتصور فيه جزم القضاء مع الشك كما لو قال في وسط رمضان، أصوم غداً إن كان من رمضان فإن ذلك لا يضره ترديد لفظ ومحل النية لا يتصور فيه تردد بل هو قاطع بأنه من رمضان ومن نوى ليلاً ثم أكل لم تفسد نيته ولو نوت في الحيض ثم طهرت قيل الفجر صح صومها.
والورع، حيث لا تتوقف صحة العمل على وجوده، فمن لم يتورع لا يطالب بإعادة الصلاة التي صلاها في وقت عدم التورع، وكذا غير الصلاة، وإنما يتوقف على الورع ثواب العمل، والمراد بالعمل ما يعم الترك فإن الصوم ترك، وكذا الكف عن المعصية بعد دعاء النفس إليها، وهو عبادة ووجه تسمية الترك عملاً، أن الترك هو صرف النفس عن الشيء، فقد قال العلماء أن النفس تتذلل ويكسر هواها بثلاثة أشياء أحدها منع الشهوات بالصوم، فإن الدابة الحرون تلين إذا نقص من علفها ولذلك قال (صلى الله عليه وسلم):(معاشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فليصم فإن الصوم له وجاء)، ومعنى ذلك: أن الصوم يضعف النفس ويكسر شهواتها والثاني حمل أثقال العبادة عليها فإن الحمار إذا زيد في حمله مع نقصان علفه تذلل وانقاد.

موسى بن قسور العامري

إلى الأعلى