السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أسباب النزول ـ 12

أسباب النزول ـ 12

.. مثال: قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ )صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ( فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ )صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ( عَلَى التِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقَالُوا: أَلاَ تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ )صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ( وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ )صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ( وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ )صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ( وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلاَ يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ )صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ( عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ )صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ( حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا(، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ.
فعُلِم من سبب نزول آية التيمم الحكمة من تشريعه وهو رفع المشقة على المكلفين الناجمة من فقدان الماء في أداء الصلاة .. وغيرها.
1 ـ تخصيص الحكم بالسبب عند من يقول العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ, كمثل قوله تعالى:(يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا) (آل عمران ـ 188) فالحكم خاص باليهود الذين .. أو بالمنافقين الذين .. ويقاس على كل منهما كل من انطبقت عليه شروط القياس.
أما الجمهور فلا يقولون بتخصيص الحكم بصورة السبب وإنما يعممون النص على السب وأشباهه.
2 ـ السبب الخاص لا يخرج من اللفظ العام بتخصيص, لأن دخوله فيه قطعي بينما التخصيص ظني والظني لا يرفع القطعي.
مثال: عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رُمِيتُ بِالَّذِيِ رُمِيتُ بِهِ وَأَنَا غَافِلَةٌ، فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عِنْدِي جَالِسٌ ثُمَّ اسْتَوَى قَاعِدًا وَمَسَحَ وَجْهَهُ، فَقَالَ:(يَا عَائِشَةُ أَبْشِرِي) قُلْتُ: بِحَمْدِ اللهِ لَا بِحَمْدِكَ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ هَذِهِ الْآيَاتِ:(إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) (النور ـ 23).
وكمال الآية:(إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور ـ 23).
وقد جاء قبلها ترتيباً في السورة الآيتان:(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور ـ 5), والآية الخامسة تخصِّص الآية الرابعة بينما لا تخصِّص الآيةَ الثالثةَ والعشرين في قبول توبة من قذف السيدة عائشة أو أحدى أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن لأن هذه الأخيرة هي صورة السبب فتتدخل في حكم العام بالقطع بخلاف ما عداها فداخلة في عموم الآية الثالثة والعشرين بالظن ولذلك تقبل التخصيص لأنه يجوز للظني أن يخصص الظني.
قال ابن عباس في الآية الثالثة والعشرين:(هذه في عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجعل الله لمن فعل ذلك توبة).
3 ـ كشف بلاغة القرآن الكريم: من حيث معرفة التطابق والتقارن بين السبب ولفظ الآية النازلة, وبه ينكشف مراعاته لمقتضى الحال.
4 ـ تيسير الحفظ والفهم: وكما قدمنا أن السبب يعطي نماذج حية عن تطبيق الآية وإن ربط الأسباب بالمسببات وربط الأحكام بالحوادث والحوادث بالأشخاص المؤطرة باطاري الزمن والمكان كل ذلك من دواعي رسوخ المعاني في ذهن القاريء والمطَّلِع.
5 ـ تعيين من نزلت فيه الآية لئلا يُشتَبه بها في غيره: مثال: كَانَ مَرْوَانُ عَلَى الحِجَازِ اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ فَخَطَبَ، فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لِكَيْ يُبَايَعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا، فَقَالَ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ، (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي) (الأحقاف ـ 17)، فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ:(مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عُذْرِي).
وهنا قد اشتبهت الآية على مروان فيمن اُنزِلت فيه فنفت ذلك السيدة عائشة ـ رضي الله عنها.
نتيجة الجهل بسبب النزول: هذه النتيجة تعتمد على المبني فيه بالاعتبار, فالجمهور يبنون الحكم على عموم اللفظ ومخالفوهم يبنونه على خصوص السبب, لذلك يرى الجمهور أن الجهل بالسبب لا تأثر عليه في معرفة الحكم ولا يؤدي إلى تعطيله لأن كل الحوادث هي سيان كسبب النزول في تعاطيها للحكم, وبالمقابل فإن المخالفين يرون في الجهل بالسبب تعطيلاً للحكم لأن إذا جُهِل الأصل فلا يمكن القياس عليه وبالتالي يُجهًل فروعه.
لكن هل نُسلِّم برأي المخالفين؟ لا, بل نقول لهم: أن الأحكام منوطة بعلل توجبها فإذا ما وجبت العلة وجب حكمها وهذه العلل لا تنتفي إن جُهِلت الأسباب بل تظل ماثلة لدى الأعين .. والله أعلم.

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى