الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (89)
الحمـدلله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فـلا زال الحـديث مـوصولا عـن الصـبر، قال تعالى:(ولَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين، فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ .. ( (البقـرة 250 ـ 251).
اللهم ارزقـنا أن نكـون منهـم، وحـبب إلينا ووفـقـنا الصـبر عـلى الطاعة، والصـبر عـن المعـصية، وقـنعـنا بما رزقـنا، ولا تجـعـلـنا مـن الـذين عـجـلت لهـم طـيـبا تهـم في حياتهـم الـدنيا وهـم عـن الآخـرة غـافـلـون يا رب العـالمـين.
وقال الله تعـالى:(وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنبياء 87 ـ 88).
وقال الله تبارك وتعـالى:(وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ، وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (هـود 114 ـ 115)، وقال أيضاً:(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النحـل ـ 110)، وقال:(وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقـرة ـ 155).
وجاء عـن الرسـول الكـريـم (صلى الله عـليه وسلم) قـوله في الصبر:(الصبر عـنـد الصدمة الأولى)، وقال:(في الصبر عـلى ما تكـره خـير كـثـير) وقال:(عـجـباً لأمـر المـؤمـن، إن أمره كله خـير، وليـس ذلك لأحـد إلا للـمـؤمـن، إن إصابته ســراء شـكـر فـكان خـيراً له، وإن أصابته ضـراء صبر فـكـان خـيراً له).
والمـؤمـن يعـلم عـلماً يقـينياً، أن الله يـصرف الأمـور عـلى وفـق حكـمته، وفي كـثيرٍ مـن الأحـيان يـرى الإنسان أمـوراً تحـدث في الكـون عـلى غـير ما يحـب، فـيرى مـثـلاً يمكـن الله الظالـم، فـيعـيـث في الأرض فـسـادا يهـلك الحـرث والنسـل، وآخـرين مـؤمنـين يعـانـون مـن وطـأة الظـلم، وكان الإنسان يتمنى لـو أن الله سـلـط عـذابه عـلى أولـئك الظـالمـين، والله هـو الـذي يـقـول:(وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ..)، ويقـول:(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عـمران ـ 142).
وقـد اقـتضـت حكـمة الله، أن يـتـوج الصـبر بالنصـر المـؤزر كـذلـك اقـترن الصبر بالأذى للابـتلاء والاختبار، قال الله تعـالى:(وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (ابـراهـيـم ـ 12).
ولننظـر إلى ما أعـد الله للصابـرين، مـن الفـضـل العـظـيـم حـيـث يقـول:(أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (القصص ـ 54)، وقال:(أولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا، خَالِدِينَ فِيهَا ۚ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) (الفـرقان 75 ـ 76)، وقـال:(وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (الـرعــد 22 ـ 24).
وعـن عـمرو بن عـبسة ـ رضي الله عـنه ـ قال: أتـيت رسـول الله (صلى الله عـليه وسلم) فـقـلت: يا رسـول الله مـن تبـعـك عـلى هـذا الأمـر؟، قال:(حـر وعـبـد) قـلـت: ما الإسـلام؟ قال:(طـيـب الـكلام وإطـعـام الطـعـام) قـلت:ما الإيمان؟ قال:(الصـبر والسماحة) قال: قـلت:أي الإسـلام أفـضــل؟ قال:(مـن سـلم المسلمـون مـن لسانه ويـده) قال: قـلـت: أي الإيمان افـضـل؟ قال:(خـلـق حـسـن) قال: قـلـت: أي الصلاة أفـضـل؟، قال:(طـول القـنـوت) قال: قـلـت: أي الهجـرة أفـضـل؟، قال:(أن تهـجـر ما كـره ربـك عـز وجـل). رواه أحمد.
المـوقـف العـظـيم:
عـن أنس بن مالك ـ رضي الله عـنه ـ أن أناساً مـن الأنصار قـالـوا يـوم حـنـين لـقـد أفـاء الله عـلى رسـوله مـن أمـوال هـوازن ما أفـاء، فـطـفـق رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) يـعـطي رجـالاً مـن قـريـش ويـتركـنا وسـيـوفـنا تقـطـر مـن دمائهـم، قال أنـس بن مالك فـحـدث رســول الله (صلى الله عـليه وسـلم) مـن قـولهـم، فأرسـل إلى الأنصـار فـجـمـعـهـم في قـبة مـن أدم (أي: في خـيـمة).
فـلما جاءهـم رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) قال:(ما حـديث بلـغـني عـنـكـم؟) فـقـال له فـقـهاء الأنصـار: أما ذوو رأيـنا يا رسـول الله فـلم يـقـولـوا شـيئاً، وأما أناس مـنا حـديثـة أسـنانهـم قـالـوا: يغـفـر الله لـرسـوله. يعـطـي قـريـشاً ويـتركـنا، وسيـوفـنا تقـطـر مـن دمائهـم.
فـقال رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم):(فإني أعـطـي رجـالاً حـديثي عـهـد بكـفـر، أتألفهـم، أفـلا تـرضـون أن يـذهـب الناس بالأمـوال وتـرجـعــون إلى رحـالكـم بـرسـول الله؟، فـوالله لما تـنقـلبـون به خـير مما ينـقـلبـون به، فـقالـوا: بلى يا رسـول الله قـد رضـيـنا. قال:(فإنـكـم سـتجـدون أثـرة شــديـدة، فاصـبروا حـتى تـلـقـوا الله ورسـوله، فإني عـلى الحـوض)، قـالـوا: سـنـصـبرـ رواه البخـاري.
وروي عـن أم سـلمة أم المـؤمنـين ـ رضي الله عـنها ـ أنها قـالت: سـمعـت رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) يـقـول:(ما مـن مسلم تصيبه مصيبة فـيقـول ما أمـره الله به قال تعالى:(الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقـرة ـ 156) اللهـم أجـرني في مصيبتي ، وأخـلـف لي خـيرا مـنها، إلا أخـلـف الله له خـيرا منـهـا) ـ رواه مسـلم.
مـن فـوائـد الصـبر:
ضـبـط النفـس عـن السأم والمـلـل، لـدى القـيام بأعـمال تتطـلب الـدأب والصبر والمثـابرة خـلال مـدة مـناسـبة، فـقـد يـراها المسـتعـجـل مـدة طـويلة وضبـط النفـس عـن العـجـلة والـرعـونة، لـدى تحـقـيـق مطـلب مـن المـطالب المادية أو المعـنـوية، ذلك أجـدر بالمـؤمـن الصادق الإيمـان فـفـيه خـير كـثير.
وضبـط النفـس عـن الغـضب والطـيـش، لـدى مـثيرات عـوامل الغـضـب في النفـس، ومحـرضات الارادة للإنـدفاع بطـيـش، بـلا حـكـمة ولا روية ولا اتـزان في القـول أو في العـمـل.
وضبـط النفـس لتحـمـل المتاعـب والمشقـات والالآم الجسـدية والنفـسـية، كـلما كان في هـذا مـن التحـمـل كـان في ذلك خـير كـثير عاجـل وآجـل، ويعـتبر ذلـك مـن كمال إيمـان المـرء وحـسـن إسـلامه، فـيـورثـه الهـداية في السـلـوك ، وراحـة في النفـس، واطـمئناناً في القـلب.
قال رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) في حجـة الـوداع:(فإن الله تبارك وتعـالى قـد حـرم دماءكـم وأمـوالكـم وأعـراضـكم إلا بحـقها كحـرمة يـومـكـم هـذا، في بلـدكـم هـذا في شـهـركـم هـذا، ألا هـل بلـغـت (قالها ثـلاثاً)؟، كل ذلك يجـيـبـونه: ألا نعـم قال:(ويحـكـم أو ويلكـم لا تـرجـعـن بعـدي كـفارا يضرب بعـضـكـم رقاب بعـض) ـ رواه البخـاري في الفـتح.
.. وللحديث بقية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى