الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / صفات المتقين كما جاءت في القرآن الكريم

صفات المتقين كما جاءت في القرآن الكريم

في المقال السابق ذكرت لكم صفات المتقين في موضعين من سورة البقرة .. وأستكمل اليوم بقية المواضع .. ففي سورة آل عمران قال الله تعالى:(قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّار، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَار).(آل عمران 15 ـ 17).
فهنا التوسل إلى الله تعالى بالإيمان به، وطلَبُ المغفرة من الله تعالى، وطلبهم من الله تعالى الوقاية من عذاب النار، والصبر على طاعة الله وعن محارم الله، وعلى أقدار الله المؤلمة، والصدق في الأقوال والأعمال والأحوال، والقنوت الذي هو دوام الطاعة مع الخشوع، والإنفاق في سبيل الخيرات على الفقراء وأهل الحاجات والاستغفار، خصوصًا وقت الأسحار لأنهم مدُّوا الصلاة إلى وقت السحر، فجلسوا يستغفرون الله تعالى.
فهؤلاء لهم أصناف الخيرات والنعيم المقيم، ولهم رِضوان الله، الذي هو أكبر من كل شيء، ولهم الأزواج المطهَّرة من كل آفة ونقص: جميلات الأخلاق، كاملات الخلائق.
وفي موضع آخر من نفس السورة قال تعالي:(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)(آل عمران ـ 133 ـ 136).
في هذه الآيات أعمال عظيمة وصفات كريمة لأهل التقوى، ذكرها الله بعد أن أمرهم بالمسارعة إلى مغفرته وإدراك جنّته التي أعدّها للمتقين.
وهذه الصفات على النحو الآتي: الإنفاق: في العسر واليسر، والشدة والرخاء، والمنشَط والمكرَه، والصحة والمرض، وكظْم الغيظ وعدم إظهاره، والصبر على مقابلة المسيء إليهم، فلا ينتقمون منه، والعفو عن كل من أساء إليهم بقول أو فعل، وذكر الله وما توعَّد به العاصين، ووعَد به المتقين، فيسألونه المغفرة لذنوبهم، والمبادرة للتوبة والاستغفار عند عمل السيئات الكبيرة والصغيرة، وعدم الإصرار على الذنوب والاستمرار عليها بل تابوا عن قريب.
ثم بيّن الله تعالى جزاءهم على عمَل هذه الصفات: مغفرة من ربهم وجنات فيها من النعيم المقيم ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطَر على قلب بشر.
وفي سورة (ق) قال تعالى:(وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد، هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ، من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب) (ق 31 ـ 35)، ففي هذه الآيات يوضح الله لنا أن من صفات المتقين ما يلي: أنهم تائبون كثيرون الرجوع إلي الله وأنهم محافظون علي عهدهم معه سبحانه، وأنهم يخشون الله ويخافونه خاصة إذا خلوا بأنفسهم، وأنهم يحرصون علي سلامة قلوبهم ليقابلوا الله بالقلب السليم.
وفي سورة (الذاريات) قال تعالى:(إن المتقين في جنات وعيون، آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين، كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون، وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) (الذاريات 13 ـ 17).
ففي هذه الآيات ذكر لصفات المتقين وهي كما يلي: إنهم كانوا محسنين في إتقان كل شيء، والإحسان نوعان: الإحسان في عبادة الخالق، والإحسان إلى المخلوق، كانوا يقومون الليل طاعة لله ولا ينامون إلا قليلاً، ويستغفرون بالأسحار، ويحرصون علي تأدية الزكاة والإنفاق على الفقراء والمساكين والمحتاجين.
ومن صفات المتقين كذلك ما ذكر في السنة النبوية (على صاحبها افضل الصلاة
والسلام) فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس)، وهذا الحديث يوضح لنا أن من أخص الفات للمتقين الورع.
جاء رجل إلى بشر الحافي فقال له: إني أخاف ألا يَقبل الله أعمالي، قال له بشر: إن كنت تخافه حقاً فاتق الله ، وقال حكيم: لا يبلغ الرجل سنام التقوى إلا أن يكون بحيث لو جعل ما في قلبه في طبق، فطيف به في السوق لم يستح منه، وقال داود لابنه سليمان ـ عليهما السلام:(يا بني! إنما تستدل على تقوى الرجل بثلاثة أشياء: بحسن توكّله على الله فيما نابه، وبحسن رضاه فيما آتاه، وبحسن زهده فيما فاته)، وقال أيضاً ـ عليه السلام:(لو أن رجلاً اتقى مائة شيء، ولم يتق شيئاً واحداً لم يكن من المتقين).
ونبي الله داوود ـ عليه السلام ـ وضح لنا أن من صفات المتقين ما يلي: حسن التوكل على الله، والرضا والقناعة بما أعطى الله، وحسن الزهد وعدم الطمع.
ومن آثار الصالحين عن المتقين ما يلي: قال أبو الدرداء:(تمام التقوى أن يتقي اللهَ العبدُ، حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حرامًا، حجابًا بينه وبين الحرام)، وقال الحسن:(مازالت التقوى بالمتقين؛ حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام)، وقال الثوري:(إنما سموا المتقين؛ لأنهم اتقوا ما لا يُتَّقى. ورُوي عن ابن عمر قال: إني لأحبُّ أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها).

إعداد ـ محمد عبدالظاهر عبيدو
إمام وخطيب جامع محمد الأمين

إلى الأعلى