الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / النقل البحري .. في عالم متغير(7ـ7) التحديات التي تواجه صناعة النقل البحري

النقل البحري .. في عالم متغير(7ـ7) التحديات التي تواجه صناعة النقل البحري

السيد عبد العليم

” يلاحظ في الأونة الأخيرة أن كثيرا من الصفقات التي تعقدها البلدان فيما بينها لاستيراد منتجات معينة، طائرات وغيرها، انه يتم الاشتراط بأن يتم الانتاج في بلد الطرف المستورد، ومن هنا لا يكون هناك حاجة للنقل عموما، خاصة في المنتجات الضخمة. بل ان الشركات الكبرى وخاصة في مجال المركبات فتحت فروع لمصانعها في البلدان التي تتميز بوجود اسواق كبيرة واقبال على منتجتها، وبالتالي يكون الانتاج للمستهلك مباشرة دون الحاجة الى الشحن والنقل.”
ــــــــــــــــــــــــــ

أكد تقرير أصدرته منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الاونكتاد) مؤخرا ان النقل البحري هو العمود الفقري للتجارة الدولية ويستحوذ على 80 بالمائة من حجم التجارة العالمية و70 بالمائة من حيث القيمة. واضاف التقرير ان هذه المعدلات ترتفع في الدول النامية خاصة الافريقية مشيرا إلى أن الاسطول العالمي من السفن نما بنسبة 3,5% خلال عام. واوضح أن متوسط كلفة هذا النقل على المستوى العالمي بلغ 9 بالمائة من قيمة الواردات خلال العقد 2005-2014 حيث ساهم التقدم في مجال التقنية وفورات الحجم وتيسير النقل ووجود سفن أكثر كفاءة في استهلاك الوقود، في الاتجاه نحو هبوط تكلفة هذا النقل. وأضح أن أسطول النقل البحري العالمي ضم 89464 سفينة ونقل نحو 1,75 مليار طن من البضائع خلال عام. ومع هذه الاهمية الكبيرة لقطاع النقل البحري على صعيد التجارة الدولية، فان هناك جملة من التحديات التي باتت تواجه هذا القطاع في الآونة الأخيرة منها:-
1- الأمن داخل البحر
الامر الذي يتعلق بأعمال القرصنة البحرية، حيث تزايدت أعمال القرصنة ومهاجمة السفن في الاونة الاخيرة ولاسيما قبالة السواحل الصومالية، بسبب عدم الاستقرار السياسي وعدم وجود حكومة فعلية في الصومال، ويلقي عنصر الامن بظلاله على عمليات تأمين النقل مما يزيد من كلفة بوليصة التأمين على الشحنات الامر الذي يرفع من رسوم النقل. وكانت احدى الدراسات اظهرت ان القرصنة البحرية تكلف الاقتصاد العالمي ما بين سبعة مليارات إلى 12 مليار دولار سنوياً، وإن القرصنة الصومالية على وجه الخصوص ترفع تكلفة النقل البحري في المحيط الهندي.
وقدرت الدراسة أن القراصنة الصوماليين مسؤولون عن 95 في المئة من تلك التكلفة. وأشارت الدراسة أيضاً إلى أن السفن ما زالت تتعرض لهجمات بين الحين والآخر في خليج غينيا ونيجيريا ومضيق ملقا. وتشمل التكلفة الفدى التي تدفع للقراصنة واقساط التأمين الاضافية وتحويل مسار السفن إلى طرق بديلة والدوريات البحرية ومعدات الأمن ومحاكمات القراصنة والتكاليف غير المباشرة الأخرى بما في ذلك الزيادة في أسعار الغذاء في شرق إفريقيا الناتجة عن ارتفاع تكاليف النقل. واضافت الدراسة ان التكاليف المباشرة لنشاطات القرصنة تشمل الفدية المطلوبة وقيمة تأمين السفن ضد القرصنة وتغيير مسارات السفن بعيداً عن المياه والمناطق الخطرة ونشر الدول التي تحارب القرصنة سفن بحريتها وتكاليف الدعاوى القضائية ضد القرصنة والميزانيات التي ترصدها المنظمات لمكافحة القرصنة. حيث نشرت القوات البحرية التابعة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين والهند وروسيا واليابان قطعاً بحرية في جهود مشتركة لمكافحة القرصنة ما أضاف مزيداً من النفقات لميزانياتها الدفاعية الوطنية.
كما أفادت الدراسة أن عشرة في المئة من السفن حول العالم غيرت الطرق التي تستخدمها عادة، لتفادي المسارات البحرية التي تعج بالقراصنة، وهو ما قد يؤثر في دول مثل مصر التي تعتمد بشكل جزئي على عوائد الشحن عبر قناة السويس. وأضافت الدراسة أن مصر خسرت على ما يبدو عشرين في المئة من إيرادات القناة بسبب تغيير مسارات الشحن.
2- التنافس بين الدول البحرية
فيما يتعلق بالممرات البحرية الصناعية، فكما رأينا هناك عدد كبير من الموانئ التي يتم اقامتها من قبل البلدان الخليجية العربية، فضلا عن قيام مصر بانشاء قناة سويس جديدة او تفريعة وعزمها على مزيد من التوسيع للمجرى المائي، كما تعزم بنما بعد عمليات تطوير قناتها على انشاء قناة اخرى موازية في الوقت الذي تنتوي فيه هندوراس حفر قناة ايضا تنافس بها قناة بنما. هذا في الوقت الذي تفكر فيه بلدان كبرى في اقامة خطوط نقل اخرى من قبيل الممر المائي في القطب الشمالي بين روسيا واوروبا بعد ذوبان الجليد بفعل التغيرات المناخية. وانشاء الصين خط حديدي مع المانيا. اضافة الى خطوط انابيب النفط والغاز التي تم ويتم انشائها كما هو الحال في اسيا الوسطى وفي خط باكو- جيهان الذي يخطط لنقل النفط من آسيا الوسطى الى سواحل البحر المتوسط وصولا الى أوروبا، الأمر الذي يقلل الاعتماد على النقل البحري في تلك المجالات.
3- معدل نمو الاقتصادي العالمي
يرتبط النقل البحري بشكل رئيسي بمعدل نمو الاقتصاد العالمي الذي يمثل محورا للمبادلات التجارية بين الدول. وحسب أحدث التقديرات للنمو الاقتصادي العالمي، أعلن تقرير لشركة كامكو نشر في 28 سبتمبر 2015 بأنه من المتوقع تباطؤ معدل النمو الاقتصادي العالمي مقارنة بالتقديرات السابقة، ففي تقريره الأخير حول مستجدات آفاق الاقتصادي العالمي، خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي إلى نسبة 3.3 في المائة بالمقارنة مع توقعاته السابقة عند نسبة 3.5 في المائة لعام 2015، في حين توقع أن يصل معدل النمو إلى نسبة 3.8 في المائة فقط في عام 2016، وأن يرتفع هامشيا إلى نسبة 3.9 في المائة في عام 2018. كما تضمن التقرير مستجدات آفاق الاقتصاد بصفة أساسية حيث أشار إلى ان تخفيض توقعات النمو الاقتصادي العالمي جاء نتيجة لتدهور أوضاع الاقتصاد الكلي في جميع أنحاء العالم. واحدث التقديرات لصندوق النقد تشير الى 3.4% للعام الحالي.
ويلقي هذا الانخفاض في معدل نمو الاقتصاد العالمي بآثار سلبية على حركة التجارة الدولية ومن ثم النقل البحري. فمعنى انخفاض معدل النمو الاقتصادي العالمي ان انتاج وتصدير البلدان الصناعية منخفض، ومن ثم ينخفض عمل المصانع والشركات لديها ويترتب على ذلك انخفاض صادراتها وفي نفس نفس الوقت انخفاض استيرادها للمواد الخام مثل النفط والغاز والمعادن وغيرها، مما يشكل ضغطا على البلدان النامية التي تصدر تلك المواد وبالتالي تقل ايرادتها، فيتراجع معدل نموها الاقتصادي وتتبع سياسات لترشيد النفقات فيقل طلبها على المعدات والالات التي تنتجها البلدان المتقدمة للقيام بمشروعات تنموية داخلها، مما يلقي بتداعياته السلبية على النشاط الاقتصادي والتجاري والنقل وغيرها لتكتمل الدورة الاقتصادية.
4-التكتلات الدولية
تزايد في السنوات الاخيرة اقامة التكتلات الاقتصادية الدولية، مثل الاتحاد الاوروبي ورابطة دول شرق آسيا ومجموعة الاميركتين وغيرها، ومن صميم سياسات تلك التكتلات التبادل التجاري فيما بينها وهي في اغلبها تكتلات لبلدان متجاورة وبالتالي يتم التبادل التجاري بينها دون الحاجة الى الممرات البحرية البعيدة، مما يلقي بتداعياته على النشاط الملاحي الدولي.
5-صغر حجم عدد كبير من المنتجات
يظهر ذلك واضح في مجال الالكترونيات وعدد من السلع الكهربائية، فبعدما كانت شاشة الحاسوب المكتبي ضخمة جدا وثقيلة جدا صارت الان الشاشات النحيفة الخفيفة والتي لا تشغل حيزا يذكر عند شحنها وكذلك الحال بالنسبة للاقبال الكبير على الحواسب المحمولة التي لا تشغل حيزا عند شحنها، كما ان هناك ايضا اجهزة التلفزة التي كانت ضخمة وثقيلة وصارت الان نحيلة وخفيفة ولا تشغل حيزا في شحنها، فكم يبلغ عدد مثل هذه الاجهزة في حاوية او سفينة نقل مقارنة بما كان عليه الحال من قبل. الامر الذي يؤثر سلبا على حجم الشحنات والنقل البحري عموما.
6- توطين الصناعات
يلاحظ في الاونة الاخيرة ان كثير من الصفقات التي تعقدها البلدان فيما بينها لاستيراد منتجات معينة، طائرات وغيرها، انه يتم الاشتراط بان يتم الانتاج في بلد الطرف المستورد، ومن هنا لا يكون هناك حاجة للنقل عموما، خاصة في المنتجات الضخمة. بل ان الشركات الكبرى وخاصة في مجال المركبات فتحت فروع لمصانعها في البلدان التي تتميز بوجود اسواق كبيرة واقبال على منتجتها، وبالتالي يكون الانتاج للمستهلك مباشرة دون الحاجة الى الشحن والنقل.
7- أسعار النفط
وذلك أن التراجع الكبير في اسعار النفط يدفع شركات نقل النفط الى العمل على ترشيد النفقات وخفض المصروفات فتتجه الى توجيه ناقلات النفط الكبيرة الى عدم المرور في القنوات والممرات التي تتقاضى رسوما مثل قناة السويس. ومن ثم نجد تراجع كبير لايرادات قناة السويس مع انخفاض اسعار النفط الخام. وذلك ان اغلب ناقلات النفط تتجنب العبور من القناة والاتجاه الى طريق رأس الرجاء الصالح عند الجنوب الافريقي. صحيح ان الطريق اطول لكنه يوفر لتلك الشركات الرسوم التي تدفعها نظير عبور القناة وخاصة عند عودة تلك السفن فارغة. وان كان النفط هو العنصر الاوضح في ذلك، الا ان نفس الامر يمكن ينطبق على الخامات الاخرى حال تقلب اسعارها.
كما تواجه التجارة البحرية العالمية والشحن البحري عدداً من التحديات المتداخلة وهي تحديداً أمن الطاقة وأسعار الوقود وأسعار وقود السفن وكذلك التغيرات المناخية.
ومن ثم يجب على القائمين على النقل البحري في البلدان البحرية التي لديها سواحل بحرية أو ممرات بحرية طبيعية او قنوات بشرية اخذ كل تلك العوامل بعين الاعتبار قبل الشروع في اي مشروع بحري من قبيل شق قناة او تطويرها بعمل تفريعات وغيرها او انشاء موانئ وغير ذلك. لان عمل هذا المشروع والاستفادة منه يكون في اغلب الاحوال رهن بعوامل خارجية لا تتحكم فيها الدولة البحرية.

إلى الأعلى