الأحد 24 سبتمبر 2017 م - ٣ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فضل القرآن في رمضان (2)

فضل القرآن في رمضان (2)

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري:
رمضان هو شهر القرآن، ويقول سبحانه وتعالى:(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) (القدر1 ـ 2)، وقال تعالى:(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) (الدخان ـ 3).
وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على من يقرأه ويتدبره، فقال جل شأنه:(إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرّاً وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور) (فاطر 29 ـ 30)، وعن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) ـ رواه مسلم.
وقراءة القرآن الكريم لها فضائل كثيرة منها ما جاء في الحديث الذي رواه أبو موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر)، وأيضاً من كرم الله سبحانه وتعالى ما جاء في الحديث المشهور عن عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ) ـ رواه البخاري، أي: بكل حرف من كتاب الله لك به حسنة والحسنات تتضاعف بكرم من الله وفضله، لذا ينبغي على المسلم في هذا الشهر الفضيل أن يغتنم أوقاته ويكثر فيه من تلاوة القرآن؛ لأن لكثرة القراءة فيه مزية خاصة.
قلوب حملت كتاب الله ـ جل وعلا ـ فأعلى مكانتها ورفع شأنها، ولكن البعض من الناس لا يعرف كتاب الله ـ جل وعلا ـ إلا في شهر الصوم، آخر عهده بهذه القرآن في شهر رمضان، الأتربة والغبار على هذا المصحف، يوضع في البيت، يوضع في السيارة، البعض من الناس يضع المصحف في السيارة، لماذا تضعه؟ يقول: من أجل أن يحفظني من الحوادث.
القرآن ما أنزل ليوضع في البيوت ولا ليوضع في السيارات، وقراءة القرآن الكريم عبادةٌ عظيمة، غَفَلَ عنها المتقاعسون عن الأجور ذلك لعدم استشعارهم الأجور العظيمة التي تترتّب عليها، وكلّما قرأ المؤمن آيات الله تضاعفت حسناته، وامتلأت صحائف أعماله، وهذه هي التجارة الحقيقيّة مع الله عز وجل:(إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور) (فاطر ـ 35).
ومن فضائل قراءة القرآن الأخرويّة: ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارْقَ، ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها)، والناس يتفاوتون ويتباينون في قدرتهم على قراءة القرآن ومهارتهم فيه، ومن ثَمَّ كان لكل واحدٍ منهم فضلٌ وأجرٌ بحَسَبِه، مصداق ذلك ما روي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال:(الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق له أجران)، والحديث عن قراءة القرآن يقودنا إلى مسألة تدبّر آياته، والذي يعني أصالةً: تأمّل معانيه، والتفكر في حكمه، والتبصّر بما فيه من الآيات، وقد ورد الأمر بذلك في قوله تعالى:(أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) (النساء ـ 82)، وقوله تعالى:(كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) (ص ـ 29)، وقوله سبحانه:(أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) (محمد ـ 24).
كان السلف ـ رضوان الله عليهم ـ يحرصون على القرآن في رمضان، فكان أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) يقومون الليل في رمضان بالمئين أي: بالسور الطويلة التي فيها مائة آية أو تزيد، حتى كانوا يستندون على العصي من طول القيام، وكانوا يبتدرون سواري المسجد وما ينصرفون من القيام إلا قدر ما يأكلون أكلة السَحَر، وكان أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ إذا دخل رمضان غلّق كتب العلم وكتب الحديث والفقه .. وغيرها لا يشتغل إلا بالقرآن، وكان الإمام محمد بن شهاب الزهري إذا دخل رمضان، قال: إنما هما خصلتان قراءة القرآن وإطعام الطعام، ولا يشتغل بغيرهما، والإمام الشافعي ذكر عنه الإمام الذهبي بأنه كان يختم القرآن في رمضان ستين ختمة، وبعض الناس يستغرب يقول: كيف هذا؟ نقول: نعم ما كانوا يشتغلون بشيء سوى القرآن، ما كانوا يدخلون الأسواق، ولا كانوا يلغون، ولا كانوا يلهون، ولا كانوا يلعبون، ولا كانوا يغتابون، ولا كانوا يجلسون مجالس لغو باطل، وإنما الواحد منهم همّه كله في القرآن، فيبارك الله عز وجل في أوقاتهم وفي أعمارهم فيتيسر لأحدهم أن يختم القرآن مرة بعد مرة، فيكون حالاًّ مرتحلاً كلما اختتم القرآن مرة افتتح أخرى، وكان بعضهم كقتادة بن دعامة السدوسي يختم القرآن كل سبع في الأيام العادية، فإذا دخل رمضان كان يختمه كل ثلاث، وإذا دخلت العشر الأواخر كان يختمه في كل ليلة مرة.
وقد حثّ الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين على أن يكون لهم شأن مع القرآن الكريم، فيردوا حياضه، ويستروحوا في رياضِهِ، ويأنسوا بكَنَفِه، فها هو يخاطبهم في محكم كتابه، فيقول عز من قائل:(ورتل القرآن ترتيلا) (المزمل ـ 4).
فهذا شهر القرآن، شهر فيه الأجور مضاعفة، فينبغي على المسلم أن يستغل أوقاته بالطاعات والقربات، ولا يترك وقته يضيع سدى.

إلى الأعلى