الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / بلسم الإنسانية (5)

بلسم الإنسانية (5)

تخلف المسلمون علميًا، وأصبحوا في مؤخرة الركب البشري، مع أن القرآن الكريم يأمرهم بالقراءة والعلم، والبحث والتفكر، لكنهم لا يتدبرون القرآن، يقول الله تعالى:)اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم) (العلق 1 ـ 5)، ويقول تعالى:(يرفع الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير) (المجادلة ـ 11)، ويقول تعالى:(وقل رب زدني علمًا) (طه ـ 114)، ويقول تعالى:(قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب) (الزمر ـ 9).
وفي هذه العُجالة نأخذ مثالين من الآيات الكريمة كيف يستفيد منها المسلمون في حياتهم لو أنهم وقف عندها وتدبروها حق التدبر.
أولاً: قول الله تعالى:(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران ـ 37). يأخذون من هذه الآية مبدأ عظيمًا به تستقيم الأمور، وترقى الأمم، وتتقدم الدول، وتقوى الشعوب، ويقضى على الفساد الأخلاقي والإداري والمالي مبدأ (أنّى لك هذا) إنه مبدأ المسؤولية الذي يقتضي المتابعة والمساءلة والمحاسبة، هذه المسؤولية بكل أنواعها ومستوياتها ابتداءً من الأسرة حتى الأمة، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم):(كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) ـ رواه البخاري.
على أن المفسرين اشتغلوا بكلمة(رزقًا) وكيف يأتي هذا الرزق السيدة مريم ـ عليها السلام، ولم يلتفتوا إلى مبدأ (أنى لك هذا) وهو ما نستفيده من هذه الآية الكريمة في حياتنا اليومية العملية.
فمن قائل: إن زكريا ـ عليه السلام ـ يجد عند مريم عليها السلام ثمار الجنة، ومن قائل: إنه يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، ومن قائل: إنه يجد عندها ثمار الصيف في الشتاء، وثمار الشتاء في الصيف، ومن قائل: إنه يجد عندها طعامًا.
ومن قائل: إن هذا الرزق رزق من السماء، أي: يأتي من عند الله تعالى مباشرة، أي: بأمر الله تعالى، وليس من عند الناس. ومن قائل: إنه من عند الناس، بمعنى أن الله تعالى سخر لمريم من يأتي لها بهذا الرزق. وظلوا في سجالاً طويل لم يصلوا إلى اتفاق، وبقي هذا السجال حتى يومنا؛ فهناك من ينتصر إلى ما رآه هذا الفريق، وهناك من ينتصر إلى ما رآه الفريق الآخر.
وأقول: كان بالإمكان أن يتفقوا، ويتنازل كل فريق عما يرآه ويصر عليه؛ إذ لا داعي لهذا النزاع، ولا مبرر لهذا السجال، فكل ذلك واقع بأمر الله تعالى تكريمًا وكرامة للسيدة مريم عليها السلام سواء أكان بواسطة أو بغير واسطة، وفي هذا السياق يقول المحقق الخليلي الشيخ سعيد بن خلفان رحمه الله تعالى في قصيدته (عرج إلى باب الكريم):
هو رزقه إن ساقه بوسيطة
أو دونها فالكل من يده اقبل
فالملك والتدبير في يده وما
يرضاه فارض به إذًا وتقبل
واجعل شهودك للمهيمن إنه
يعطي ويمنع ما يشا فليفعل
ثانيًا: قول الله تعالى:(حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا* قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا، فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) (الكهف 93 ـ 97).
يأخذون من هذه الآيات دراسة خصائص الحديد والنحاس، وكيف أقيم هذه السد؛ حتى يستفيدوا من ذلك في حياتهم في إقامة السدود وغيرها مما يدخل في صناعته الحديد والنحاس والنار، فذو القرنين طلب من قبائل يأجوج ومأجوج أن يأتوه بزبر الحديد أي قطع الحديد، فأمر بوضعها متراكبة بعضها فوق بعض من الأساس حتى ساوت بين الصدفين، أي حتى ارتفعت وحاذت رؤوس الجبلين، ثم أمرهم بأن يؤججوا على ما وضعوه النار حتى صار كله نارا، ثم أفرغ عليه قطرًا، أي صبَّ عليه نحاسًا مذابًا، فكان سدًا قويًا حصينًا منيعًا، لم يستطيعوا أن يتسلقوه لملاسته ونعومته، ولم يستطيعوا أن يثقبوه لصلابته وقوته:(فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا).
ونجد أن المفسرين وقفوا عند وصف هذا السد، وعند وصف قبائل يأجوج ومأجوج، وكيف تتعامل قبائل يأجوج ومأجوج مع هذا السد المنيع، الذي بات عقبة كؤود أمامهم، وقد أتى المفسرون في هذا السياق بكلام طويل، وذكروا قصصًا غربية، وجاؤوا بروايات كثيرة، ردَّها العلماء المحققون.

يوسف بن يحيى السرحني

إلى الأعلى