الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / إرادة إلهية

إرادة إلهية

إن من نظر إلى الأرض كيف مهدها الله وسلك لنا فيها سبلا وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ويسرها لعباده فجعلها لهم ذلولا يمشون في مناكبها ويأكلون من رزقه فيحرثون ويزرعون ويستخرجون منها الماء فيسقون ويشربون وكيف جعلها الله تعالى قرارا للخلق لا تضطرب بهم ولا تزلزل بهم إلا بإذن الله:(وفي الأرض قطع متجاورات) )الرعد ـ 4) مختلفة في ذاتها وصفاتها ومنافعها وفي الأرض جنات من أعناب وزرع ونخيل وقد جعل الله تعالى العيش على هذه الأرض تحت قوانين وضعها الله تعالى حتى يسير الكون بنظامه ديقيق الذي أراده الله تعالى له وإن لله تعالى سننا علمها من علمها وجهلها من جهلها والمقصود بـالسنن القوانين، وقد جعل المولى سبحانه وتعالى كل شيء يسير في هذا الكون وفق تدبير وترتيب وتنظيم معين كما أراده الله تعالى والتي منها سنة الله تعالى في سير الحياة الإنسانية، وأحوال الأمم السابقة، وسنته سبحانه وتعالى في إثابة الطائعين وعقاب المخالفين وتغيير أحوال الأمم وتبديلها تعلقا بما تفعله هذه الأمم من خير أو شر والعبر التي في قصص الأمم السابقة، كما قال الله تعالى:(سنة الله فى الذين خلو من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) (الأحزاب ـ 62).
فقد أراد الله تعالى أن (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فمن أدرك هذه السنن لن يناله ضعف ولم يمسه حزن لأنه يعلم أن كلمة الله سبقت فى الجزاء والمصير على الأفعال وما يصدر من العباد فردا كان أو مجتمعاً أو جيلاً أو حتى أمة .. ومن تلك السنن قول الله تعالى:(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد ـ 11)، فتغيير الحال من الله تعالى لقوم بعز أو بذل بنعمة أو ببؤس بمكانة أو بمهانة مرتبط بحال القوم نفسه وما يكونون عليه من صلاح أو فساد ومن شكر أو جحود ومن قوة أو ضعف فصلاح الفرد أو الأمة من صلاح حالهما وفساد الفرد أو الأمة من فساد حالهما وهى سنة من السنن الكثيرة في حياة الأمم والشعوب والأفراد على مدار تاريخ البشرية الكثير والكثير وتأمل معي الآيات التالية وما فيها من جزاء ومصير ترتب على عمل من الأعمال أقام عليه فرد من الأمة أو مجتمع أو قوم أو .. قال تعالى فى محكم التنزيل:( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وقال تعالى:(ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذى عملوا لعلهم يرجعون) (البقرة ـ 61) .. وهكذا كل من عصى واعتدى فله جزاء ما اعتدى وعصى بقدر العمل.
إنها والله الكرامة في تعامل الله تعالى مع عباده، حينما يرتب سبحانه الجزاء على العمل الصادر منهم فيعلم العبد ابتداء أن الأمر متعلق بما يقع منه ويُصدر من عمل من غير إكراه ولا إلزام له من الله تعالى فمن أراد الخيرية لنفسه أو متى ما أرادت الأمة الخيرية لنفسها فلتسلك سبلها فالنصر من الله أن الله تعالى جعل النصر منه لعباده معقودا بنصرتهم لدين الله تعالى وشريعته قال تعالى:(إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) (محمد ـ 7).
وأراد الله تعالى أن (يبتلي المؤمنين ليختبرهم) ما يبتلى الله تعالى به عباده المؤمنين إذا لزموا جادة الحق وعملوا من أجلها ليختبرهم فيعرف صادقهم من مدعيهم ومن يعبد الله منهم على حرف ومن يعبده محتسباً صابراً على أذى الناس وباذلاً من ماله ومن وقته وجهده في إصلاح شأنهم وأمرهم وهدايتهم إلى جادة الصواب والحق وبعدهم عن سبل الغواية والضلال والفساد، يقول الله تعالى:(أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) (العنكبوت 1 ـ 2)، فلقد كان الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ جميعا أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل في الإيمان وتحمل طبائع الناس والصبر على آذاهم وحسن التعامل معهم وكسبهم لجادة الحق واحتمال ما يقولونه وحمل الجميع لاتباع هذا الدين وبالوسائل الشرعية التي شرعها الله تعالى لهم والسبل المباحة وفيما يبذلونه من أجل دعوة ربهم إلى حد الاعتذار .. وهكذا في طبيعة الطريق الذي سار عليه الأنبياء ومن ورثهم بإحسان (لله الأمر من قبل ومن بعد) (الروم ـ 4) فلما صدقوا ما عاهدوا الله تعالى عليه أكرم نزلهم ووسع مدخلهم وتبوؤا عند الله منزلاً ومكاناً عالياً، أن الله تعالى يبتلى عباده على قدر إيمانهم وقوة دينهم، فعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه .. وقد يكون ذلك الابتلاء في المال أو في الأولاد أو في الصحة أو في الأمن أو في الدراسة أو في العمل.
وأراد الله تعالى أن (يحق الحق ويبطل الباطل) يحق الله الحق ويبطل الباطل ولو بعد حين .. فإن من نظر إلى بعض الحوادث والأحداث في العالم وأراد أن يحكم عليها أو يبنى على واقعها أحكاماً من خلال سنة قد وقعت فيها تلك الأحداث أو سنتين أو حتى عشرة سنوات أو ربما أكثر من ذلك فهو مخطئ، فربما ظل الباطل أعواما عديدة على بقاع من الأرض متسعة يضل به من يضل ويبتلى الله تعالى به من يبتلى لحِكم الله تعالى أعلم بها فسنة الله تعالى تجرى وقائعها على مر أجيال وعصور لا على حساب أعوام وشهور، فمن استكثر على سبيل المثال اغتصاب اليهود لأرض المسجد الأقصى كل هذه الأعوام والتي تقرب من خمسين عاماً فليعلم وربما يذكر بعض المؤرخين أن المسجد الأقصى ظل يئن تحت ظلم النصارى أكثر من تسعين عاماً قبل أن يقيض الله تعالى له صلاح الدين الأيوبي لتحريره من أيديهم فنسأل الله تعالى أن يقيض له من المسلمين من يخلصه من أيدي اليهود وليس ذلك على ببعيد فإن في الأمة خير كثير ولله الحمد، وكم فضح الله تعالى من مبادئ وأفكار هدامة هيمنت حينا من الدهر، وكم أسقط من شعارات زائفة كافرة ظلت ترفرف أحقابا من الزمن حتى جاءت سنة الله تعالى التي قد خلت في عباده فانهزم هنالك أصحاب الباطل وانقلبوا صاغرين، وذلك بعد أن فُضحوا وتعثروا، فبمقدار ما فشا ذلك الباطل وانتفش، سقط من أعين الناس وانكمش، ولله الأمر من قبل ومن بعد (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (البقرة ـ 216)، فلابد من الأخذ بالأسباب فلا يثمر الزرع بعد أن ينبت إلا بالتعهد والسقي، ولا يولد الولد إلا بالنكاح، ولا يحصل الشبع إلا بالأكل، وهكذا السبق والتفوق والنجاح لا يكون إلا بأسبابه فترك الأسباب معصية كما أن الاعتماد على الأسباب شرك.
.. هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

أنس فرج محمد فرج

إلى الأعلى