الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ـ7

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ـ7

الحمد لله رب العالمين، خلق الإنسان علمه البيان وجعل اللسان مع القلب دليلاً على عقل الإنسان، وصلى الله وسلم على خير من قال ومن علم محمداً (صلى الله عليه وسلم)، وبعد ..
فإنه لا توجد مهمة أعلى وأفضل وأهم وأخطر من مهمة الدعاة إلى دين الله، ذلك أنهم يحملون هم نشر الدين وتبليغه وتذكير الناس به، فقولهم هو أحسن قول، (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين)، (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)، (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظٍ عظيم).
وسوف نقدم خلال الشهر المبارك سلسلة حول الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء، أسأل الله جل في علاه أن تكون عونا ونافعة لكل سالكي طريق الدعوة .. والله الموفق.
عناصر بناء الخطبة:
على الخطيب أن يعلم أنه كالخائض غمار معركة، عليه أن يتدرع بدروعها، ويتترس بتروسها، ويلبس لها لامتها، ولا يكون ذلك إلا بالاستعداد والتهيؤ، وأخذ العدة لكل موقف.
ومن المعلوم أن الخطبة وسائر الأعمال العلمية والأدبية تحتاج إلى أسس ثلاثة: قلب مفكر وبيان مصور ولسان معبر.
فالأول يكون به إيجاد الموضوع وابتكاره وتوليده، وبالثاني تنسيقه وترتيبه ورصه، وبالثالث عرضه والتعبير عنه.
فالقلب المفكر (الإيجاد والابتكار): وقد يعبر عنه باختيار الموضوع، من المعلوم أن بواعث الاختيار متعددة، والخطيب كلما كان صادقاً في قصده، مهتماً بجمهوره وسامعيه، جاداً في طرحه، فسوف يحسن الاختيار، ويقدح زناد فكره بجدية نحو الابتكار، يضاف إلى ذلك الظروف المحيطة، والأحوال المستجدة، والأغراض الباعثة، التي تستدعي الحديث عن بعض الوقائع.
أما البيان المصور (التنسيق والبيان): فلا يخفى أن طريق البيان المصور هو الأسلوب، وللأسلوب سلطان لا يضعفه العقل، وأثر لا يمحوه الدليل. الأسلوب ألفاظ وجمل ينطق بها المتكلم ويتحدث بها الخطيب، لا تكاد تخرج من فيه حتى تعلو الهيبة وجوه السامعين، وتمتد الأعناق له احتراماً.
واللسان المعبر (الإلقاء): ويقصد به: الإلقاء وحسن الإجادة فيه.
ويمكن أن نجمل هذه العناصر الثلاثة في مرحلتين، المرحلة الأولى: إعداد الخطبة، والمرحلة الثانية: إلقاء الخطبة، فالمرحـلة الأولـــى: إعـداد الخطبة، لا يوجد رجل عاقل يبدأ ببناء بيت من دون وضع خطة له، لكن لماذا يبدأ بإلقاء خطبته من دون أي نوع من الاستعداد أو التخطيط؟
الخطبة رسالة موجهة ورحلة ذات هدف، والإنسان الذي يبدأ في مكان غير محدد، ينتهي عادة في المكان ذاته.
إن أي قصور في هذه المرحلة سيكون له تبعاته وآثاره السيئة على مستوى الخطبة، وعلى قدرات الخطيب.
وليعلم الخطيب المبتدئ أنه لا يمكنه أن يتغلب على الخوف والتوتر العصبي حين يخوض المعركة بعدة ضعيفة أو بلا عدة على الإطلاق.
* خطوات تحضير الخطبة:
ما هو التحضير؟ هل هو قراءة كتاب؟ هذا نوع واحد منه، لكن ليس بالنوع الأفضل.
فالقراءة ربما تساعد لكن إذا حاول الخطيب أن يأخذ الكثير من الأفكار الجاهزة من كتاب ويوردها كما هي، فستأتي خطبته هزيلة وناقصة.
التحضير الجيد يمكن أن يمر بعدة خطوات متوالية:
اختيار الموضوع: يفكر الخطيب أحياناً في اختيار الموضوع الذي سيطرقه فيعجز عن الظفر بأي موضوع ولو بعد تفكير طويل وأحياناً تنثال المواضيع انثيالاً بمجرد ما يتجه ذهنه إلى هذا الأمر، وقد يحدث في هذه الحال أن يقف حائراً متردداً في تقديم بعضها على بعض من أجل ما لديه من اعتبارات تتنازع تلك المواضيع المتزاحمة في ذهنه ثم لابد أن يستقر رأيه على البدء بواحد منها وأيًا ما يكن الموضوع الذي استقر رأيه عليه فينبغى أن يراعي فيه الاعتبارات التالية: أن يكون ذا صلة بالإحداث الجارية في ذلك الأسبوع، وإذا لم يكن قد جد في ذلك الأسبوع ما يستوجب لفت الانتباه إليه فليكن الموضوع علاجاً لبعض الانحرافات التي ألفها المستمعون في بيئتهم الخاصة، وأن يكون موضوع الانحرافات المتأصلة معروضا في أسلوب جديد ولو أنه في مضمونه قديم.
وعلى الخطيب أن ينتبه إلى أن الانحرافات المتأصلة لابد أن يكون غيره من الخطباء قد سبقه إلى تناولها سواء في البلد الذي هو خطيب فيه، أم في بلد آخر وليعلم أن بعض المصلين قد سبق أن سمعوا الحديث عنها فاذا لم يستفيدوا استفادة جديدة من الموضوع المعاد عليهم تضاءلت قيمتة في تقديرهم أو في تقدير بعضهم ويكون ذلك سبيلا إلى فتورهم عن الأخذ بتوجيهاته في مستقبل الأيام.
ولقد شاع بين المصلين أن صاروا يقولون في مثل هذه الحال:(أن ما سيقوله خطيبنا ما هو إلا أمر معروف وكلام مألوف)، وإن طرافة الأسلوب الذي يعرض به الخطيب أي موضوع معاد قد ترتفع بمستواه فتجعله في تقدير السامعين بمنزلة الموضوع الجديد فيصغون إليه باهتمام ويرتاحون إلى ما يلقون فيه من استفادات جديدة.
والاستفادة الجديدة قد تكون فيما يدخل على الموضوع المعاد من أدلة صائبة وأمثلة تقريبية واضحة ومن أحداث شيقة إلى مقارنات مثيرة يستفيق بها الغافل ويقلع من أجلها المصر على الانحراف إن شاء الله.
فإذا اهتم الخطيب بمثل هذه الجوانب وبذل فيها جهداً كافياً من التفكير الرصين وعرضها بأسلوب جديد وطريف فإن ذلك لابد أن يضفى على الموضوع المطروق قدراً عظيماً من عناصر التأثير.
وكذلك من المواضيع ما يضطر الخطيب إلى تكرار القول فيه وذلك كموضوع الصيام عند حلول شهر رمضان وموضوع خطبتي العيدين وفي مثل هذه الأحوال لا يحسن بالخطيب ـ إذا كان ممن يعدون ويكتبون الخطب ـ أن يعيد ذات الخطبة بمادتها وشكلها وأسلوبها فان ذلك عيب كبير وكثيراً ما يستهين به بعض الخطباء وهو من أعظم عوامل الزهد فيما يقوله أو الحد من تأثير كلامه في المستمعين.
وينبغي تجنب الاقتصار على المواضيع ذات الصبغة المحلية إذ من الواجب أن يتناول الخطيب بعض الأحداث العالمية خصوصاً ما يحدث في العالم الإسلامي ليربط مشاعر المسلمين بإخوانهم فان الله تعالى يقول:(إن هذه أمتكم امة واحدة، وأنا ربكم فاعبدون) ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم):(من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) فكان من آكد واجبات الخطيب أن يكون ذا اهتمام بأمور المسلمين وأن يعمل على ربط اهتمام مستمعيه بتلك الأمور.
* إعداد الموضوع المختار:
بعد اختيار الخطيب للموضوع ينبغي أن يفكر فيه ويدرسه من جوانبه المختلفة وليتخير ذلك ساعة فراغه ونشاطه وصفاء نفسه وتوثب همته فإن ذلك الوقت أدعى إلى الإجادة واقرب إلى الكمال.
وبعد تصور الخطيب لإبعاد الموضوع يقسمه إلى مجموعة من العناصر ويرتبها الترتيب المناسب ثم يفكر في طريقة تناوله لكل عنصر وفيما يدرج فيه من الكتاب والسنة وفيما يمكن أن يستنبط من الآيات والأحاديث وفيما يصحب كل ذلك من عوامل التأثير في تلك المجموعة الخاصة من المستمعين الذين تجمعهم بيئة مشتركة فإذا صادف إن انضمت إليهم مجموعة أخرى لها اعتبارها العددي كان على الخطيب أن يراعي مشاعر كل من هؤلاء وأولئك.
وعلى الخطيب في المرحلة الأولى من تدربه أن يرسم العناصر وتوابعها على ورقة خاصة في صورة مذكرة.
وهذه العناصر تأتي نتيجة التفكير المنطقي في الموضوع بمعنى البحث عن مقدمة ثم موضوع فنتيجة ويمكن استنباطها من عنوان الموضوع حيث نبحث عن تعريف ثم عن أهمية ونماذج للموضوع ثم يستدل على هذا العناصر بأدلة من المصادر الرئيسية التي يعتمد عليها الخطيب المسلم وهي: القرآن الكريم ، والسنة المطهرة، والسيرة والإجماع والقياس.
ثم يستحضر لعناصره ما يؤيدها من الآثار والحكم والرقائق والاستنتاجات العقلية والمنطقية والمقارنات إلى غير ذلك، ويمكن أن يضع الدليل ثم يأتي بالعنصر من خلاله، ثم إن كان ممن لا يحسنون الارتجال تولى كتابة الموضوع وتبسيطه، في ضوء ما كان أوجزه ورسمه في صورة مذكرة ويحسن أن يوضع ذلك في لغة سهلة خالية من السجع وفي جمل قصيرة بقدر الإمكان.
وأما إن كان ممن تدربوا على الارتجال اكتفى بما حرره في المذكرة وكرر النظر فيه حتى تنطبع أجزاءه في ذهنه ثم يتولى إلقاءها مستعينا بالله وغير متقيد بذات الألفاظ المسجلة في المذكرة.
إن الخطيب المرتجل يحتاج في أول تدربه على الارتجال إلى أن يلخص موضوع الخطبة في نحو صفحة أو أكثر وبمتابعة للتدريب يصبح مكتفيا بأقل من ذلك بل يصبح مقتصراً على ما يسجله في شكل فهرس لعناصر الموضوع فقط، ولابد أن ينتهي به الأمر إلى الاكتفاء بالتفكير في جوانب الموضوع من غير احتياج إلى كتابة أي شئ من الخطبة، وكلما كان دارساً للموضوع مُلماً بأبعاده كان أقدر على الارتجال وكان انطلاقه فيه أمتع له وأحظى لدى مستمعيه، وأحس عندئذ بارتياح شديد لاكتشافه ما كان مخبؤاً في ذاته من طاقة ما كان يقدرها حق قدرها من قبل أن يشرع في التدريب على الارتجال.
ومهما يكن اختيار الخطيب لطريقة إعداد الخطبة سواءً اختار كتابتها بكل تفاصيلها، أم اقتصر على عناوين عناصرها ، فإن عليه أن يفي بكل ما يقتضيه بناء هيكلها .
والحديث عن الارتجال أوسع من هذه الملاحظات العابرة، أنظر تفصيل الحديث عنه عند حديثنا عن الارتجال.
* بناء هيكل الخطبة:
إن الهيكل الكامل لبناء الخطبة يتألف عادة من ثلاثة أجزاء، وهي: الاستهلال أو المقدمة، والمقصد أو الموضوع ، والخاتمة .
الاستهلال: لا تستهل الخطبة إلا بحمد الله وتمجيده والثناء عليه، ذلك لأن الخطبة لون من ألوان العبادة، وأشرف أنواع العبادة الصلاة، والصلاة لا تفتتح إلا بحمد الله وتمجيده والثناء عليه، ولقد قال (صلى الله عليه وسلم):(كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم).
قال الجاحظ: إن خطباء السلف الطيب، وأهل البيان من التابعين بإحسان، ما زالوا يسمون الخطبة التي لم يبتدئ صاحبها بالتحميد ويستفتح كلامه بالتمجيد (البتراء) ويسمون التي لم توشح بالقرآن وتزين بالصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم) (الشوهاء) ـ (البيان والتبيين).
وقال أيضا:(قال عمران بن حطان: خطبت عند زياد خطبة ظننت أني لم أقصر فيها عن غاية ، ولم أدع لطاعن علة، فمررت ببعض المجالس فسمعت شيخاً يقول: هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شئ من القرآن) ـ (البيان والتبيين).
ثم أن أهل هذا الشأن ،كثيراً ما استحسنوا أن تقع الإشارة في مستهل الخطبة إلى الموضوع الذي سيتناوله الخطيب، وذلك في غضون التحميد، أو الثناء على الله أو تحميده، أو التشهد، أو الصلاة على النبي (صلى الله علية وسلم)، أو في أثناء ذلك كله، وسموا هذه الإشارة (براعة الاستهلال) وما استحسنوها إلا من أجل أن يتهيأ بها السامعون إلى تلقى الموضوع ، فيكون ذلك أدعى إلى تطلعهم إلى الاستفادات الجديدة المنتظرة من الخطيب، والتي يتوقعون أن تتفوق على ما عندهم من علم بذلك الموضوع.
ولا تحسن تلك الإشارة إلا إذا كانت إشارة خاصة بحيث يتضح منها موضوع الخطبة، أما إن كانت عامة كالإشارة إلى الدين أو إلى الطاعة بوجه عام مثلاً، فإنها أبعد ماتكون عن الوفاء بحسن الافتتاح عند علماء البيان.
ولقد نقل الجاحظ عن عبدالله بن المقفع أنه قال:(وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته) ـ (المصدرالسابق).
وعلق عليه الجاحظ فقال:(كأنه يقول: فرق بين صدر خطبة النكاح، وبين صدر خطبة العيد وخطبة الصلح ، وخطبة المواهب، حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه، فانه لا خير في كلام لا يدلك على معناه، ولا يشير إلى مغزاك، وإلى العمود الذي إليه قصدت، والغرض الذي إليه نزعت).
قيل لابن المقفع:(فان مل المستمع الإطالة التي ذكرت إنها حق ذلك الموقف؟ فقال: إذا أعطيت كل مقام حقه وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام، وأرضيت من يعرف حقوق الكلام، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو ،فانه لا يرضيهما شئ ،وإما الجاهل فلست منه وليس منك ،ورضا جميع الناس شئ لا تناله وقد يقال: رضا الناس شئ لا ينال).
المقصد: المقصد هو الموضوع الذي يتناوله الخطيب وينبغي أن يراعي في عرضه أموراً بعضها واجب وبعضها مستحسن وبعضها متحتم في بعض الأحوال.
ما يجب في المقصد: تجب في عرض المقصد ستة أمور:
ـ وحدة المقصد: إن وحدة المقصد أمر ضروري إذ لا يحسن أن تكون الخطبة ذات مواضيع مختلفة إلا أذا دعت إلى ذلك ظروف خاصة بالمستمعين،وقصد الخطيب أن يبادر إلى تلافيها جميعا في مناسبة معينة.
ـ الإيضاح الكافي: لابد من توضيح المقصد بأحسن بيان مع الاستعانة على ذلك بنصوص من الكتاب والسنة وضرب الأمثال، وعرض بعض القصص الوجيزة المناسبة، تأسياً بكتاب الله تعالى في ضرب الامثال، وتوجيه الأمة إلى الاعتبار بقصص من تقدمها من الامم.
ـ التحري الدقيق:على الخطيب أن يتحرى الصحة لكل نص يريد نقله، فينقله بمنتهى الدقة وأن يتجنب نقل واهي الاثار، وضعيف الأخبار، متحاشياً صنع بعض الخطباء والدعاة الذين ينقلون احياناً ما يتنافي تماماً مع الحقائق الدينية الثابتة وحجتهم في ذلك أن بعض كتب التفسير أوردت ذلك ، مع أن بعض كتب التفسير اشتملت على ما لا يصح على الاطلاق.
قال السيوطي: ثم جاء بعد عصر التابعين من جمع التفسير، ودون ما تجمع لديه من ذلك ، فألفت تفاسير تجمع أقوال النبي (صلى الله عليه وسلم) وأقوال الصحابة والتابعين مع ذكر الاسانيد، كتفسير سيفان ابن عيينة ووكيع بن الجراح وغيرها ممن تقدم ذكرهم.
ثم جاء بعد هؤلاء أقوام الفوا في التفسير فاختصروا الأسانيد ونقلوا الأقوال غير معزوة لقائليها ، ولم يتحروا الصحة فيما يروون، فدخل من هنا الدخيل، والتبس الصحيح بالعليل.
ثم صار كل من يسنح له قول يورده ومن يخطر بباله شئ يعتمده، ثم ينقل ذلك عنه من يجئ بعده، ظاناً أن له أصلا غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف.
وقال الاستاذ محمد حسين الذهبي (في كتابه التفسير والمفسرون ـ ج1 ): والحق أن هذا السبب يكاد يكون أخطر الاسباب جميعاً لأن حذف الأسانيد جعل من ينظر في هذا الكتب يظن صحة كل ما جاء فيها وجعل كثيراً من المفسرين ينقلون عنها ما فيها من الاسرائيليات والقصص المخترع على أنه صحيح كله، مع أن فيها مايخالف النقل، ولا يتفق مع العقل.
وإذا كان للوضع خطره، وللاسرائيليات خطرها ،فإن هذا الخطر كان من الممكن تلافيه لو ذكرت لنا هذه الاقوال بأسانيدها، ولكن حذفها – للأسف – عمى علينا كل شئ ،وليت هؤلاء الذين حذفوا الاسانيد وعنوا بجمع شتات الاقوال فعلوا كما فعل ابن جرير.
من رواية كل قول ياسناده، فهو وإن كان لم يتحر الصحة فيما يرويه إلا أن عذره في ذلك أنه ذكر لنا السند مع كل رواية يرويها، وكانوا يرون أنهم متى ذكروا السند فقد خرجوا عن العهدة، فان أحوال الرجال كانت معروفة في العهد الأول وبذلك تعرف قيمة ما يروونه من ضعف وصحة.
ـ الجمع بين التبشير والتحذير: لابد في الموضوع الواحد من الجمع بين التبشير والتحذير ولا يعدل عن هذا المنهج إلا في الحالات النادرة وذلك لأن الجمع بينهما هو المنهج الذي اختاره الله لاصلاح عباده فالله سبحانه ما أرسل رسله إلا مبشرين ومنذرين والرسل عليهم السلام هم قدوة كل داع إلى الله.
وإذا تأملنا في القرآن العظيم وجدناه منزلاً على الجمع بين التبشير والتحذير فمن أمثلة ذلك هذه الآيات:(نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم) (الحجر49 ـ 50)، (إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم) (الاعراف ـ 167)، (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب) (الرعد ـ 6) … الخ.
حتى أنه إذا ذكر صفات أهل السعادة ذكر معها صفة من صفات أهل الشقاوة فهو يقول جل وعز:(وجوه يومئذٍ مسفرةٌ ضاحكةٌ مستبشرةٌ ووجوهٌ يومئذٍ عليها غبرةٌ ترهقها قترةٌ)، (وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة)، (وجوه يومئذ ناعمة. لسعيها راضية)، ويقول:(فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى)، فقابله بقوله:(وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى)، ويقول:(فأما من أوتى كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا)، فقابله بقوله:(وأما من أوتى كتابه ورآء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا).
إن السر في هذا الجمع واضح ، ذلك لأن القرآن يخاطب أصنافاً مختلفة من الناس، فمنهم من تسوقه الرغبة سوقا إلى فعل الخيرات واجتناب المحذورات، ومنهم من لا يستجيب لذلك إلا إذا صدعت قلبه قوارع التهديد.
ولا شك أن الخطيب يقف في مجموعة من الناس تختلف أمزجتهم ومشاعرهم اختلافاً بيناً، وإنه لموقف يدعوه إلى إنتهاج هذا المسلك الرشيد، لكن هذا لا يعني أن يكون كل موضوع مشتملا على التبشير والتحذير، بل إن ذلك ينبغي أن يحدث، في غالب الأحول وأكثر المواقف، وقد يقتصر على أحدهما عند الاقتضاء، وهذا هو ما نجده في القرآن العظيم، لأن من سوره ما لم يشتمل الا على أحد هذين العنصرين
فالتحذير المحض في سورتي التكاثر والهمزة، والتبشير المحض في سورة الكوثر، ولكن الاقتصار على أحدهما نادر جداً في القرآن كما ترى.
ـ تجنب المجازفة بادعاء المعرفة لما لم يعلم: على الخطيب أن يحذر الحذر التام من الكلام فيما ليس له به علم، خصوصاً فيما يكون من دقائق العلوم التي لا صلة له بمعرفتها ، فإن مثل ذلك لا يأمن فيه من الخطأ أو الارتباك، فينحط من أجل ذلك اعتباره في نفوس أهل المعرفة بذلك الأمر، كما لا يأمن أن تتطور استهانتهم به فتتحول إلى الاستهانة بكل ما يدعو إليه مما ليس لهم به علم، قياسيا على مالهم به علم ويكون الخطيب بهذا التصرف مسيئاً من حيث أنه يريد الإحسان.
ـ تسلسل أجزاء الموضوع: ينبغي أن تكون أجزاء الموضوع متسلسلة بصورة يفضى فيها كل جزء إلى ما بعده، وأن تكون حلقات السلسلة مفضية إلى النتيجة المقصودة .وقدأوضحت هذه النقطة من قبل عند كلامنا عن ترتيب الموضوع وصياغته.
هذه هي الأمور التي تجب في المقصد من وجهة نظري وإن كانت هناك أمور أخرى لاشك ،لكنها تخضع لمعرفة كل خطيب ودرايته ودربته.
.. يتبع

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى