الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (90)
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد: فـعـن أبي شـريح العـدوي ـ رضي الله عـنه ـ أنه قال لعـمـر بن سعـيـد وهـو يبعـث البعـوث إلى مكـة المكـرمة، أتأذن لي أيها الأمـير أحـدثـك قـولا قام به رسـول الله )صلى الله عـليه وسـلم( لغـد مـن يـوم الفـتح فـسـمعـتـه أذناي ووعـاه قـلبي وأبصرته عـيناي حـين تكـلم به: أنه حمد الله وأثنى عـليه ثـم قال:(إن مكـة حـرمها الله ولم يحـرمها الناس، فـلا تحـل لا مـريء يـؤمـن بالله واليـوم الآخـر أن يسـفـك بها دماء، ولا يعـضـد بها شـجـرة، فإن أحـد تـرخص فـقـال إن رسـول الله صلى الله عـليه وسـلم قاتـل فـيها فـقـولـوا له:(إن الله أذن لـرسـول الله صلى الله عـليه وسـلم ولم يأذن لكـم ، وإنما أذن لي سـاعـة مـن نهـار وقـد عـادت حـرمتها اليـوم، كحـرمته بالأمـس وليبلـغ الشاهـد الغـائب) رواه البخـاري في الفـتح.
وعـن عـبـد الله بن عـمـر ـ رضي الله عـنهـما، قال:(قال رسـول الله صلى الله عـليه وسـلم في حجـة الـوداع، ألا أي شـهـر تعـلـمـونه أعـظـم حـرمة؟، قالـوا ألا شـهـرنا هـذا؟، قال ألا أي بـلـد تعـلمـونه أعـظـم حـرمة؟، قـالـوا: ألا بـلـدنا هـذا؟، قال ألا أي يـوم تعـلـمـونه أعـظـم حـرمة؟، قالـوا: ألا يـومنا هـذا؟.
صـنع الله الـذي أتقـن كل شـيء:
قالـوا إن كلمة الاتقـان: تـدل عـلى الاحـكام للأشـياء، ورجـل تقـن، وتقـين: أي مـتقـن للأشـياء حاذق، واتـقـنـت الشيء أي: أحـكمـته.
وقـيـل إن كلمة:(تـقـن) مـن اسـم رجـل كان جـيـد الـرمي بالسهام، وكان يضـرب به المثـل في الـرمي، ولم يكـن يسـقـط له سـهـم، وكان اسـم الـرجـل ابن تـقـن ثـم قـيـل لـكل حـاذق بالأشـياء تـقـن، ومـنه يـقال: أتـقـن فـلان عـمله، إذا أحـكـمه، والمـثـل:(يـقال أرمـى مـن تـقـن).
والـتقـن هـو خـير ما يحـسـنه الإنسان، مـن عـمـل أو صـنع، ويقال: الفـصاحة مـن تـقـنه، أي إن الفـصاحة يـتـقـن الـرجـل أداءها، ويـقال: ليـس هـذا مـن تـقـني، أي ليـس هـذا ما أحـسـنه أكـثر مـن غـيره وأتقــنه.
ووردت مادة الإتـقان في القـرآن الكـريم، في قـوله تبارك وتعالى:(.. صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) (النـمل ـ 88).
ووردت مادة (أتـقـن) في الحـديث النبوي الشـريف، قال (صلى الله عـليه وسـلم):(إن الله يحـب مـن أحـدكم إذا عـمـل عـمـلاً أن يـتـقـنه) ـ رواه البيهـقي في كـتـابه:(شـعـب الإيمان)، عـن أم المـؤمـنين عائشة ـ رضي الله عـنها.
وكلمة:(الإتـقـان) تقاربها في المعـنى كلمات مـثـل: الإحـكام والاجـادة والحـذق والاحـسان، وقـد ذكـر الـراغـب الأصـفهاني أن الإتـقـان بمعـنى الإحـسان والإحسان في فـعـله بأن يـعـلم عـلـماً حـسناً، ويعـمـل عـمـلاً حـسناً، وفي هـذا الـمعـنى ورد الحـديث النبـوي الشـريف، الــذي رواه البيهـقي في شـعـب الإيمان عـن كلـيـب، وهـو يقـول:(إن الله تعـالى يحـب مـن العـامـل إذا عــمـل أن يحـسن عـمله).
وقال الإمام عـلي ـ كـرّم الله وجهه:(الناس أبناء ما يحسـنـون)، أي: منسوبـون إلى ما يعـمـلـونه مـن الأعـمال الحـسنة، وكلـمة الإحـسان التي وردت في الحـديث الـذي يقـول:( الإحسان أن تعـبـد الله كأنـك تـراه، فإن لـم تكـن تـراه فإنه يـراك)، لها صلة بالإحـسان حـيـث فـسرها ابن الأثــير بـقـوله:(وقـيـل بالإحـسان الإشـارة إلى المـراقـبة وحـسن الطـاعـة، فإن مـن راقـب الله أحـسن العـمـل).
وصلة الإتـقـان بالإحـكام واضـحة، لأن اللغـة تقـول: أحـكـم فـلان الشيء أتـقـنه، فاسـتحـكـم ومـنـعـه مـن الفـساد و(الحـكـيم) مـن معـانيـه أنه الـذي يحـكـم الأشـياء أي يـتقـنها، وكـذلك المحـكـم (بصيغـة اسـم الفاعـل) والحكـمة عـبارة عـن معـرفة أفـضـل بأفـضـل العـلـوم، ويقال لمـن يحـسن دقائـق الصناعات ويتـقـنها إنه حـكـيـم.
قال الله تبارك وتعـالى في كتابه العـزيـز:(وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ، وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ، وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) (الـذاريات 47 ـ 50).
قال الله تعـالى في كـتابه الـعـزيـز:( وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) (النـمـل ـ 88)، وكلمة الاتـقـان: تـدل عـلى الإحـكام للأشـياء، ورجـل مـتقـن للأشياء حاذق في معـرفـتـها وصـنـعـها، وأتـقـنـت الشيء أحـكـمته، ورجـل تعـقـن أي متـقـن للأشـياء.
الاتـقان في العـبادات:
والإتـقـان قـد يأتي في العـبادات وفي المعـامـلات وفي مـواطـن أخـرى مـن أعـمال الإنسان وسـلـوكه، فـهـناك إتـقـان الـوضـوء، وهـو المعـبر عـنه بإسـباغ الـوضوء، أي جـعـله تاما كامـلا عـلى أحسـن وجـوهـه، بفـرائضـه وســنـنه، قال أبـو هـريـرة ـ رضي الله عـنه:(مـن تـوضـأ فأحسـن وضـوء ه، ثـم خـرج عامـدا إلى الصلاة فإنه في صـلاة ما كان يعـمـد إلى الصلاة).
والإتـقـان في الصلاة: هـو استيفاء أركانها، وفـرائضها وشـروطها، وما يتـعـلـق بها، وقـد يعــبر عـن ذلـك بالاطـمئـنان والخـشـوع، وقـد نص الفـقهاء عـلى أن الطـمأنينة مـن فـرائـض الصلاة، واسـتـدلـوا عـلى ذلـك بـقـول الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) عـنـد الـرفـع مـن السجـود:(ثـم ارفــع حـتى تطـمئـن جالساً).
وجاء في المجمـوع للـنـووي:(ويجـب أن يطـمئن في سـجـوده) والطـمأنيـنة هي تسكـين الجـوارح، حـتى تطـمئن المفـاصل، ويسـتـوي كل عـضـو في مقـره.
وتجـب الطـمأنينة في الركـوع والسـجـود، والاعـتـدال مـن الـركـوع والسجـود والجـلـوس بـيـن السـجـدتـين، واحـتـج مـن قال بـذلـك بحـديـث أبي هـريـرة ـ رضي الله عـنه، أن النبي (صلى الله عـليه وسـلـم) قال:(اركـع حـتى تطـمـئـن راكـعـاً، ثـم ارفـع حـتى تعــتـدل قائـمـاً، ثـم اسـجـد حـتى تطـمـئن سـاجـداً، ثـم ارفـع حـتى تطـمئـن جالساً ثـم اسـجـد حـتى تطـمئن سـاجـداً، ثـم افـعــل ذلـك في صـلاتك كلها).
وبالحـديث الــذي يقـول:(لا تجـزء صـلاة الـرجـل حـتى يقـيـم ظهـره في الـركـوع والسـجـود) .. وغـير ذلـك مـن الأحـاديث.
وروى ابو داود وابن خـزيـمة في صحـيحـه أن رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) نهى عـن (نقـرة الغـراب)، ويـراد بها تخـفـيف السجـود، حـيـث لا يمكـث فـيه إلا قـدر وضـع الغــراب منـقـاره فـيـما يـريــد التـقـاطـه وأكله. وكما روى أحمد والحاكـم وصحح إسـناده، أن الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم)، قال:(أسـوأ الناس سـرقة الـذي يسـرق مـن صـلاته، أي يعـجــل فـيها، فـلا تـتحـقـق الطـمأنينة، فـكأنه سـرق منها أجـزاء، قال الله تبارك وتعالى:(الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المـؤمنون ـ 2).
وقال نـور الـدين السالمي رحـمه الله في جـوهـره:
وأسـرق الناس فـتى قـد يسـرق
صلاته وهـوبها مـنـطـلـق
وقـد عـبر الإمام الغـزالي عـن هـذه الطـمأنينة بقـوله:(فـضيلة إتمام الأركان) وروى في ذلك طائفة مـن الأحـاديـث، منـها:(مـثـل الصلاة الـمكـتـوبة، كـمـثـل المـيزان، مـن أوفى اسـتـوفى)، ومنها :(لا ينـظـر الله يـوم القـيامـة إلى العـبـد لا يقـيـم صـلبه بين ركـوعه وسـجـوده).
ومنها:(مـن صلى صلاة لـوقـتها وأسبغ وضـوءها، وأتـم ركـوعـها وسجـودها وخـشـوعـها، عـرجـت وهـي بـيـضاء مسـفـرة، تـقـول:(حـفـظـك الله كما حـفـظـتـني).
.. وللحديث بقية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى