الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الأساليب اللغوية في القرآن الكريم ودلالاتها وطرق استعمالاتها (6)

الأساليب اللغوية في القرآن الكريم ودلالاتها وطرق استعمالاتها (6)

أسلوب الاختصاص (2 ـ 2)
فإن سأل أحدهم: إذا كان السياق القرآني قد جاء بـقوله تعالى:والموفون بعهدهم مرفوعة، فلم جاء “بالصابرين” منصوبة؟، وماذا يعني اختلاف الإعراب هنا وتحول التركيب؟ فالجواب: إن الأذن العربية قد اعتادت على النطق السليم الفصيح، فإذا كان الكلام على خلاف قواعد الإعراب، وجاء مخالفا فسوف تتوقف، وتتنبه، فالإعراب لم يختلف إلا لينبهنا إلى أن شيئا ما يجب أن يفهم، كما يجب أن يدرك ويتوسع في فقهه والوقوف على غرض المخالفة؛ ومن ثم، فكسر الإعراب هنا وتحول التركيب غرضه تنبيه الآذان العربية والمستمعة إلى أن شيئا جديدا استحق أن يخالَف عنده الإعراب؛ لأن الصبر مطية كلِّ هذه الأفعال، وهو سبب حصول كل خير، وأساس كل نعمة وفضل، فالذي يستطيع الصبر على نفسه بإقامة الصلاة، وإيتاء المال على حبه، هو الذي فاز وظفر، وعليه، فكل ذلك امتحان للصبر، ومن هنا خصَّ الله )الصابرين( ـ بما لهم من فضل ـ بإعراب مخالف حتى نفهم أنه منصوب على المدح، أو على الاختصاص، وقد جاء في تفسير القرطبي أن كلمة “الموفون” رُفعت عطفا على (مَنْ) لأن (مَنْ) في موضع جمع، وفي محل رفع كأنه قال: ولكن البر المؤمنون والموفون، قال الفراء والأخفش: و(الصابرين) نصب على المدح، أو بإضمار فعل، والعرب تنصب على المدح، وعلى الذم؛ كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم، ولا يتبعونه أول الكلام، وينصبونه، فأما المدح فقوله تعالى:(والمقيمين الصلاة (النساء ـ ١٦٢)، فنصب على المدح، كما نصبت العرب على الذم، كما في قوله تعالى:)ملعونين أينما ثقفوا (الأحزاب ـ ٦١)، وهذا مهيع واضح في النعوت، وسبيل مسلوكة، لا مطعن فيه من جهة الإعراب، وهي موجودة كثيرا في كلام العرب.
ثانياً: أن المخالفة الإعرابية في مثل هذا المقام وذاك السياق هي أبلغ من جريان الكلام على نمط واحد، وعلى وفاق الأصل، وهذا أسلوب جارٍ على سنَن العربية، وطريقة أهلها في الكلام، وبيانُه أن العرب تعترض من صفات الواحد إذا تطاولت بالمدح أو الذم، فيرفعون إذا كان الاسم رفعا، وينصبون بعضها على المدح، فكأنهم ينوون إخراج المنصوب بمدح مجدَّد غير مُتْبَعٍ لأول الكلام، فالمخالفة الإعرابية بمجردها هي التي أوحت بإفراد هذه الصفات بمدح مجدَّد، فعدل ب”الصابرين” عن نسقه نصبًا على المدح، أو الاختصاص تنبيها على فضيلة الصبر في الشدائد، ومواضع القتال، وإظهارا لمزيته في سائر الأعمال، كما أن المخالفة الإعرابية في مثل هذا المقام أبلغ من جريان الكلام على نمط واحد، كما يقول أبو علي الفارسي: إذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم، فالأحسن أن يخالف في إعرابها، ولا تجعل كلها جارية على موصوفها لأن هذا الموضع من مواضع الإطناب في الوصف، والإبلاغ في القول، فإذا خولف بإعراب الأوصاف كان المقصود أكمل لأن الكلام عند الاختلاف يصير كأنه أنواع من الكلام، وضروب من البيان، وعند الاتحاد في الإعراب يكون وجها واحدا، وجملة واحدة؛ ذلك لأن الموصوف عند تغير سبكه يصير جملة برأْسه مما يوحي بتفخيم مقامه، بالإضافة إلى الافتنان في التعبير، وما يشي به تغيير المألوف من دلالة على زيادة ترغيب في استماع المذكور، ومزيد اهتمام بشأنه.
ومن هنا يتبين أن دعوى تخطئة نصب (الصابرين)، ووجوب رفعه على العطف هي دعوى لا يصح قبولها ولا ترقى لأن تناقش، لأنها نزلت من حكيم حميد؛ لأن الأسلوب ليس عطفاً، وإنما هو أسلوب قطع للمدح أو الاختصاص، والتقدير: أمدح الصابرين، أو أخص الصابرين بالمدح، وعليه فكلمة (الصابرين) تعرب هنا مفعولا به منصوبا على المدح أو الاختصاص بفعل محذوف، تقديره: أمدح أو أخص، وهو ما يسمى (النصب على المدح، أو النصب على الاختصاص)، والمخالفة في البناء النحوي للجملة تُعَدُّ لونا من ألوان الالتفات، ويستشهد على ذلك بقوله تعالى:والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس (البقرة ـ ١٧٧)، والالتفات له فائدتان ـ كما حددهما الزمخشري: إحداهما عامة، والأخرى خاصة، فالعامة: هي إمتاع المتلقي، وجذب انتباهه بتلك النتوءات أو التحولات التي لا يتوقعها في نسق التعبير، وأما الخاصة فتتمثل فيما تشعُّه كلُّ صورة من تلك الصور ـ في موقع من السياق الذي ترد فيه ـ من إيحاءات خاصة، ودلالات سامية.
وقد يتساءل بعضنا يقول: ولمَ خصَّ الله الصابرين بالمدح؟، وجوابه: أن التكليفاتِ كلَّها تعقب مشقاتٍ على النفس، ولا يستطيع تحمُّل هذه المشقات إلا مَنْ يقدر على الصبر، وتبعاته، ويمسك نفسه بالعزم والقوة، ويحتسب ذلك عند الله، وما دام قد قدر على الصبر، فكلُّ ذلك يهون ومن هنا خصَّ الله الصبر بهذه الميزة، وحول لأجله مخالفة الإعراب، وتحول لأجله التركيب، قال الشيخ ابن عثيمين: قوله تعالى: (والصابرين): فيه إشكال من حيث الإعراب لأن الذي قبله مرفوع وهو غير مرفوعيقول بعض العلماء: إنه منصوب بفعل محذوف، والتقدير: وأخص الصابرين والبلاغة من هذا أنه إذا تغير أسلوب الكلام كان ذلك أدعى للانتباه فإن الإنسان إذا قرأ الكلام على نسق واحد لم يحصل له انتباه، كما يحصل عند تغير السياق. و(الصبر) ليس بذل شيء؛ ولكنه تحمل شيء؛ وما سبق كله بذل شيء؛ فهو مختلف من حيث النوع: (من آمن .. وأقام .. وآتى ..) كل هذه أفعال لكن (الصابرين) ليس فعلاً ولكنه تحمُّل، و(الصبر) في اللغة الحبس ومنه قولهم: فلان قُتل صبراً ـ أي: حبساً، وأما في الشرع فإنه حبس النفس على طاعة الله، أو عن معصيته، أو على أقداره المؤلمة، هذا، والله يتقبل منا ومنكم، ويرزقنا فهم أساليب كتابه، وتعابير قرآنه إنه ولي ذلك، والقادر عليه والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

د/ جمال عبد العزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة
جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى