الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / محمود الريماوي: الإبداع والصحافة يتجاوران .. والخلط بينهما ضار بكليهما

محمود الريماوي: الإبداع والصحافة يتجاوران .. والخلط بينهما ضار بكليهما

لديه ميل للتنبيش في العوالم الداخلية للشخوص
الحيز النفسي يظهر بصورة أكبر من معالم المكان ومحدداته، والمكان يظهر من خلال الشخوص وبما يخلعون عليه من مشاعر أو هواجس

عمّان ـ العمانية:
تتوزّع نشاطات الكاتب الفلسطيني محمود الريماوي في أكثر من حقل إبداعي، إذ يكتب القصة والرواية والنصوص والمقالة الثقافية والصحفية والتحليل السياسي من دون أن يخلّ بشروط أيٍّ منها أو فنّياته، ذلك أن “أداة تعبيرية واحدة لا تكفي” بحسب تعبيره، فهذه تكفي “المتبتّلين في عالم الإبداع والذين ينقطعون كليةً إليه”، وإذا كان الإنسان يعبّر عن نفسه بطرق مختلفة تبعا للمقام والوضع والحال والظرف، فإن المبدع كذلك “يجد نفسه مندفعا إلى اختيار أدوات شتى للتعبير، كي يواكب اتجاهات روحه وحركة ذهنه والإيقاعات المختلفة لإحساسه بالحياة والأشياء”. ويرى الريماوي المولود في بيت ريما برام الله عام 1948، أن الانشغال بالشأن العام “أمر بدهي”، مبيّناً أنه وجد نفسه يهتم بالسياسة والكتابة السياسية، التي يعبّر فيها عن تفاعله المباشر مع القضايا العامة.لا سيما وأنه لا يجد نفسه عضوا في أي حزب أو تنظيم سياسي، فكان من الطبيعي والمنطقي أن يتحرى الوسيلة الملائمة للتعبير والمشاركة، فضلا عن أن الكتابة التي هي جزء من مهنته الوحيدة، وهي الصحافة”.

وحول “مهنة المتاعب” وعلاقتها بالإبداع، وأثر كلٌّ من هذين المجالين على الآخر، يقول الريماوي في حوار مع وكالة الأنباء العمانية: “لقد كنت صحفيا منذ الحادية عشرة من عمري، حين شرعت في الكتابة للصحف، وواظبت على ذلك دون انقطاع حتى يومي هذا.
الصحافة هي الصحافة، والإبداع هو الإبداع، إنهما يتجاوران، لكن الخلط بينهما ضارّ بكليهما”. ويتابع الريماوي الحائز على جائزة فلسطين للقصة القصيرة (1997)، متحدثا عن تجربته في هذا المضمار: “أكتب في الصحافة وأنسى أني أديب، وأكتب أدبا وأنسى أني صحفي.
طبعا الخبرات لا بد أن تتسلل من هذا المجال إلى ذاك.
وقد اعتدت على الفصل بين هذه الأمور لأني أؤمن بالتخصص وإعطاء كل مجال حقه، وأن يستوفي كل مجال شرطه”. ورغم تجربته الطويلة والراسخة في كتابة القصة القصيرة على وجه التحديد، إلا أن الريماوي رفض ذات مرة أن يُطلَق عليك لقب “قاص”، مكتفيا بـ”كاتب قصة”، وحول هذا الموقف يقول: “ذكرت تعبير (كاتب قصة) ذات مرة في مؤتمر أدبي في بغداد في السبعينات.
كنت متوقفا عن الكتابة الأدبية لبضع سنوات، ومنصرفا إلى الصحافة، فكان قولي هذا بمنزلة نقد ذاتي لأني لا أمنح القصة الاهتمام الكافي.
لكني أجدني الآن قاصا، رغم أن حصيلة إنتاجي قليلة كميا، والسبب أني أبدد أوقاتا طويلة في التأمل”. وما زال الريماوي يذكر عمله في بداياته مع غسان كنفاني الذي كان يرأس تحرير “الأنوار” في بيروت نهاية الستينات، ويقرّ أن لهذه التجربة أثرا في حياته، موضحا: “هذا الأثر لم يظهر حينها لدى عملي بجوار (الشهيد) غسان كنفاني، فقد تشبعت ببطء وبصورة سرية بأهمية الانغماس في القضايا العامة كقضايا شخصية، والإفادة من لغة الصحافة من حيث توخي الدقة والوضوح والابتعاد عن اللغة المجانية، والتعابير المائعة التي تعني كل شيء ولا شيء في الوقت نفسه، وآمنت أن أي مبدع لا يمكنه أن يشبه مبدعا آخر، لقد أعجبت منذ البداية بتفاني غسان في العمل والجمع بين الصحافة والأدب دون أن يكون أحدهما على حساب الآخر”. وحول مرور تجربته في الكتابة القصصية في مراحل عدة وتحولات مختلفة، يبين الريماوي: “في البداية كنت مولعا بالروح الشعرية، وبحداثة الشكل بمحاولة الابتعاد عن كل ما هو تقليدي أو مستقر، مع الانشغال بالتعبير عن هواجس وجودية، واللجوء إلى الرمزية في كثير من الحالات.
إنها فورة الشباب، والروح الراديكالية التي تسري في كل شيء.
في تلك الأيام منذ أواسط الستينات كانت موجة الحداثة كاسحة، وكان عمري الغض يتوافق مع هذا الاندفاع”. بعدئذ أخذ الريماوي ينفتح على السرد الواقعي بمظاهره المختلفة، من دون أن يقطع كلّيةً مع ما سبق، وصولاً إلى ما يسميه “الواقعية المتأملة”. والمطّلع على مجموعته الأولى “العري في صحراء ليلية” التي أصدرها في بغداد عام 1972، يجد أنها تتضمن قصصا قصارا جدا كتب بعضها في سن مبكرة، وحول إمكانية عدّ ذلك رؤية استشرافية لرواج هذا النوع من الكتابة فيما بعد يقول: “لقد كتبت هذا اللون في وقت مبكر ونشرت بعض الأقاصيص في مجلة (مواقف) عام 1969.
لقد قادتني إلى ذلك نزعتي التجريبية، وثقتي المبكرة بأن الحداثة تعني المرونة الفائقة.
لكني حينذاك حين كتبت القصة القصيرة جدا لم أدّعِ لنفسي أو لغيري بأني أقوم بفتح مبين، كما يفعل بعض الأدباء الذين اكتشفوا هذا اللون في تسعينات القرن الماضي!”. ويضيف: “كنت وما زلت على ثقة بأنه ليس هناك قالب قصصي أفضل من غيره، وأن الفيصل هو في الأصالة، بمعنى أن يكون المبدع هو نفسه وليس على غرار أحد غيره، وفي الإتيان بجديد حقا حتى لو بدا هذا الجديد بسيطا”. وينظر الريماوي للكتابة بوصفها “ممارسة انتحارية طلبا للحياة”، موضحا قصده من ذلك بقوله إن الواحد يكتب أقصى ما لديه، مثل العدّاء الذي يقطع مسافات طويلة أو قصيرة بأقصى سرعته ويأخذ قلبه بالخفقان الشديد وينتابه الشعور بأنه قد يفارق الحياة.
كذلك الحال في الإبداع، حيث “ينكفئ المبدع على نفسه ويشرع في التقاط اتجاهات روحه وفي رسم عوالم متخيلة وصياغة حياة متخيلة تجاور الحياة الواقعية من جهة، مع أن جهد المبدع يتجه في الحقيقة إلى الكشف عما هو مستتر وكامن في دخيلة النفس البشرية، إنه جهد فائق، يشعر المبدع بعد الفروغ منه بالخواء وكأنه عبّر عن كل ما لديه وانتهى دوره وربما انتهت حياته! لكن الروح لا تلبث أن تُشحن من جديد، كما تُشحن البطارية الكهربائية!”. ومن سمات الكتابة لدى الريماوي أن المكان في قصصه يُظهر حيزا نفسيا يبتعد عن الوصف المادي أو الخارجي، وهو يفسّر هذا التوجه بقوله: “لدي ميل للتنبيش في العوالم الداخلية للشخوص.
الحيز النفسي في هذه الحالة يظهر بصورة أكبر من معالم المكان ومحدداته، والمكان نفسه يظهر من خلال الشخوص وبما يخلعون عليه من مشاعر أو هواجس.
إنها معالجة شبه شعرية تعود في جانب أساس منها لميولي الشعرية المقموعة! وفي جانب آخر لولعي في سبر أغوار الأبطال، ومن خلف ذلك محاولة فهم النفس البشرية التي تجمع بين البساطة والتعقيد”.انتقل الريماوي في مرحلة متأخرة من تجربته السردية إلى عالم الرواية، ويقول حول هذا الأمر: “إنه مجرد انتقال من موضع الى آخر في عالم السرد.
غالبية الروائيين وغالبية القاصين في العالم جمعوا بين الرواية والقصة، عدا استثناءات قليلة.
قد تجد في بعض القصص مادة شبه روائية، أقصد نواة مادة روائية خام، مثلا لدي قصة بعنوان (القطار)، أقول لنفسي بعد عشرين عاما من نشرها أنها كان يجب أن تُكتب كرواية! أما الرواية عموما فهي تتألف من مجموعة من القصص والحكايات ضمن حكاية أكبر ناظمة للعمل.
كلٌّ منهما ـ القصة والرواية ـ بمنزلة شجرة ونبات في غابة السرد”. وكان الريماوي انتقل مع عائلته إلى أريحا مطلع الخمسينات، حيث كان والده يعمل مديرا لوكالة الغوث فيها، وحصل على التوجيهي من الكلية الإبراهيمية في القدس، قبل نزوح عائلته في اليوم الثالث من حرب يونيو (1967) إلى عمّان.
وفي السنوات اللاحقة حتى منتصف السبعينات تنقل بين بغداد وبيروت والقاهرة.
ثم تفرغ للصحافة منذ عام 1974 عندما قصد الكويت وعمل في صحيفة “الوطن”، وعاد إلى الأردن في عام 1986 ليعمل في صحيفة “الرأي” كاتب عمود، ومحررا، ورئيسا للقسم الثقافي حتى عام 2001.
وهو المشرف العام على موقع “قاب قوسين” الثقافي الإلكتروني.
من كتبه في القصة والرواية والنصوص: “عري في صحراء ليلية”، “الجرح الشمالي”، “كوكب تفاح وأملاح”، “ضرب بطيء على طبل صغير”، “غرباء”، “القطار”، “شمل العائلة”، “إخوة وحيدون”، و”كل ما في الأمر”، و”حلم حقيقي”، و”من يؤنس السيدة”.وصدرت أخيرا ترجمة إيطالية لمختارات من قصصه بعنوان “سحابة من عصافير”، كما رُشّح كتابه القصصي “مكالمة منتصف النوم” لجائزة “فانيا كونستانتينوفا” البلغارية الوطنية، وكان الكتاب العربي الوحيد ضمن الكتب المتنافسة.

إلى الأعلى