الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / إصلاح النفس ومعاداة الشيطان

إصلاح النفس ومعاداة الشيطان

أخي المسلم: إذا علمنا أن هذا الشهر المبارك ، شهر رمضان شهر المغفرة والتزكية، الذي فيه تصفد الشياطين، فلزم عليك أن تعلم علم اليقين أنك أمام امتحان أمام الله تعالى يمتحن فيه نفسك، بين ركونها إلى الطاعة وبذل المجهود في تزكيتها أو تركها تبعا لما تهوى والله تعالى يقول: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ( (يوسف ـ 53).
خلق الله الإنسان وقد زوده بملكات وطاقات تميزه عن باقي المخلوقات، وهو تكريم من خالقه وتفضيل، كما أودع فيه هذه النفس وهي دابته التي تقوده إما للصلاح أو الفساد ، تأمره بالمعصية أو تسوقه إلى الطاعة، وقد ذكرها القرآن الكريم على ثلاثة أحوال: الأولى هي النفس الأمارة بالسوء التي تجر الإنسان إلى المعاصي وترغب في الشهوات، وتأنس بمخالطة الفاسدين وتأبى مجالس الذكر ومخالطة الصالحين، وهي عن ذكر الله معرضة وهذه هي التي تجر صاحبها إلى الهلاك إن استمرت على حالها ولم تتوب، فإن تابت، ورجعت عما تقترفه فإن الله غفور رحيم، وإلا فالهلاك.وهو ظلم وعاقبة كما ذكر الله تعالى:(وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (يونس ـ 54).
أما الحالة الثانية وهي الشائعة، يقول تعالى:(لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ لقيامة) والنفس اللوامة هي: النفس المؤمنة التقية التي تلوم صاحبها على ترك الطاعات وفِعْل الموبقات، والمراد بالنفس اللوامة: النفس التقية المستقيمة التي تلوم ذاتها على ما فات منها، فهي ـ مهما أكثرت من فعل الخير ـ تتمنى أن لو ازدادت من ذلك، ومهما قللت من فعل الشر، تمنت ـ أيضاً ـ أن لو ازدادت من هذا التقليل وهي التي أقسم الله بيوم القيامة وبها.
والحالة الثالثة هي النفس المطمئنة، (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) (الفجر ـ 27)، فالنفس المطمئنة هي النفس التي اطمأنت لله تعالى وآمنت به وصدقت بما جاء به الرسل، وهي المطمئنة إلى ذكر الله الساكنة إلى حب الله تعالى والتي قرت عينها به، والنفس المطمئنة: هي النفس الآمنة من الخوف أو الحزن في يوم القيامة. بسبب إيمانها الصادق، وعملها الصالح، والكلام على إرادة القول أي يقول الله تعالى على لسان ملائكته، إكراما للمؤمنين، عند وفاتهم، أو عند تمام حسابهم يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة، الناعمة بروح اليقين، الواثقة بفضل الله تعالى ورحمته.
ومما يجعل النفس مطمئنة السير في طريق الحق والاستقامة والثبات عليهما ونهي النفس عما تهوى بعيدة عن طريق الرشاد، لقوله تعالى: (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا) (النازعات ـ 4)، والمسلم هو من خاف القيام عليه بالحجة ومجازاته بالعدل، فأثر هذا الخوف في قلبه فنهى نفسه عن هواها الذي يقيدها عن طاعة الله، وصار هواه تبعا لما جاء به الرسول، وجاهد الهوى والشهوة الصادين عن الخير، خاف عظمته وجلاله، وسلّح نفسه بالإِيمان والعمل الصالح استعدادا لهذا اليوم الذى يجازى فيه كل إنسان بما يستحقه، زجر نفسه وكفها عن السيئات والمعاصي والميول نحو الأهوال الضالة المضلة.
وهذه بعض الخطوات التي وضعها العلماء لإصلاح النفس وكسرها:
وأول خطوة لإصلاح النفس، أن يلزمها الصمت ويحول بينها وبين من يشغلها بحديثه، فلما لم تجد من تحادثه صمتت ،فلما طال بها الصمت سكتت، فلما طال السكوت تبين لها الكثير مما كانت تخوض فيه من الخطأ والزلل، حينها انكسرت لما علمت أنها كانت تخوض في الباطل، متعرضة لسخط مولاها، وهذه المرحلة هي عزل النفس عن موطن المعصية.
ثم البدأ في معاتبتها وتقريرها بالسوء الذي اقترفت، أي جعلها تقر بما اقترفت من معاصي وذنوب والحال الذي هي إليه سائرة ثم صائرة، حتى تعترف وإذا ما اعترفت ولانت وأقرت بسوء صنعتها ذكّرها بعظيم جرائمها وكثرة ذنوبها وأدام وأطال عليها ذلك ، فأوجع ذلك ضميرها فسالت دمعتها ، واستغفرت الله من سوء ما تقدم من صنعها، فحمل عليها وذكّرها أن المقام على ما عرفت وبه أقرت لأن يحل بها سخط الله.
فلما طهر قلبه من الإصرار وأشرق واستنار وعاود النظر وردد الفكر وألح بالفكر في الأسباب التي كانت النفس تنال بها المعاصي من الأصحاب ومن الأهل ومن القرابة، والخلطاء الذين كانوا يعينونها على الشهوات، فدعاها إلى قطع ذلك جميعه ومباينته، وأخبرها أنها لا تصح توبتها ،ولا تتوب إلى خالقها إلا بهجران ذلك كله.
علاجها بالصوم والجوع والتذكير، فكسرها بإدمان الصيام، فتنكسر قوى طبعها التي نالتها من الاغتذاء بالطعام الذي كانت تألفه بالدسم، فانكسرت عن نشاطها، فلما أمسها الجوع وألح عليها الجوع ، ذلت وخشعت .
وهذه النفس بعد رحلة الزجر والحبس تلين قليلا وتعِد وتسوف بالترك لتداري بعض ما تحب وتقضي حوائجها، فيحمل عليها بالوعيد ويلح عليها بالزجر والتذكير فعظم عندها الرب عز وجل ويكرر عليها شدة نقمته وعظيم عقوبته.
بعد أن عرفنا العدو الذي يحمله الإنسان بين جنبيه وهو النفس ووجوب الحذر منها والحرص على زجرها وردعها ، فالعدو الآخر الذي عصى أمر الله وأقسم بعزته وجلاله أنه سيظل يغوي ابن آدم إلى أن يظلهم عن الصراط المستقيم ، وقد ذكر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(أنه قال:(الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم من اللحم فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش).
فأمرنا الله بضرورة محاربته وبغضه والاستعاذة منه لقوله تعالى:(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (فاطر ـ 6)، ومعرفة طرقه التي يأمر بها, وهي جميع المعاصي من كفر وفسوق وظلم، ونحو ذلك، ويدخل فيه أيضا تناول المأكولات المحرمة، ظاهر العداوة, فلا يريد بأمركم إلا غشكم واستدراجكم, إلى أن تكونوا من أصحاب السعير.
(إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران ـ 175).
والمراد بالشيطان إبليس لأنه علم بالغلبة عليه ولأنه هو الذي يخوف بالوسوسة. وقيل المراد به أتباعه الذين دسهم لكي يرهبوا المؤمنين من الكافرين.
(وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) (النساء ـ 38)، فمن خطوات الشيطان النفقة الصادرة عن رياء وسمعة وعدم الإيمان بالله، من أجل أن يراهم الناس والمدحة والتعظيم، وليس إنفاقهم صادرا عن إخلاص وإيمان بالله ورجاء ثوابه. أي: فهذا من خطوات الشيطان وأعماله التي يدعو حزبه إليها ليكونوا من أصحاب السعير، وصدرت منهم بسبب مقارنته لهم وأزهم إليها فلهذا قال:(وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) أي: بئس المقارن والصاحب الذي يريد إهلاك من قارنه ويسعى فيه أشد السعي. فكما أن من بخل بما آتاه الله، وكتم ما مَنَّ به الله عليه عاص آثم مخالف لربه، فكذلك من أنفق وتعبد لغير الله فإنه آثم عاص لربه
مستوجب للعقوبة، لأن الله إنما أمر بطاعته وامتثال أمره على وجه الإخلاص، كما قال تعالى:(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) فهذا العمل المقبول الذي يستحق صاحبه المدح والثواب.
فلهذا حث الله تعالى عليه، والشيطان يتوعد ويقول: لأسعى غاية جهدي على صد الناس عنه وعدم سلوكهم إياه، وهو عدو للإنسان وهو له بالمرصاد وقد تجرد لمعاداة الناس و ليفسد على المؤمن عباداته ويجره إلى الهلاك، وهو متربص بالمؤمن مادام حيا ليزيغهم ويصدهم عن الصراط المستقيم.
(قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) (الأعراف ـ 16)، (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ) (البقرة ـ 36).
لم يزل عدوهما يوسوس لهما ويزين لهما تناول ما نهيا عنه; حتى أزلهما، أي: حملهما على الزلل بتزيينه اغترا به وأطاعاه; فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم والرغد; وأهبطوا إلى دار التعب والنصب والمجاهدة، فكان آدم وذريته; عدوهم الشيطان وذريته، ومن المعلوم أن العدو; يجد ويجتهد في ضرر عدوه وإيصال الشر إليه بكل طريق; وحرمانه الخير بكل طريق، ففي ضمن هذا, تحذير بني آدم من الشيطان.

موسى بن قسور العامري

إلى الأعلى