الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / رؤى .. نص أمبرتو إيكو المفتوح

رؤى .. نص أمبرتو إيكو المفتوح

أمضى المنظر الكبير رولان بارت وقتا طويلا تنهشه الحيرة إزاء كتابات الأديب جورج باتاي: هل يفند ما يكتب في جنس السرد القصصي، أم الشعر أم أنه كاتب مقالة ؟ هل هو رجل اقتصاد أم فيلسوف أم متصوف، وأخيرا استقر بارت على أن باتاي يكتب نصا! فأي نص يكتب باتاي ؟ أهو النص المنفتح ؟ والمعني بـ”الانفتاح” هنا أن قلم الكاتب يستمد أوكسجين حيوية الخلق من رئات كافة الأجناس الابداعية والحقول المعرفية، قص وقصيد ومسرح وفنون تشكيلية ودراما مرئية ومقالة وفلسفة وعلم نفس واقتصاد، بل ويهيم القلم في مروج كافة المذاهب الفنية من واقعية وسوريالية وتعبيرية، حيث يتجاوز كل الأسيجة والحدود في سفرة تخلو طرقاتها من لافتات القمع والتضييق مثل توقف أو محظور المرور!
وباتاي الذي رأى فيه شريكه اللدود أندريه بريتون متمردا على السريالية من الداخل كان هذا حال نصوصه، منفتحة على كافة فضاءات الإبداع والفكر! فهل هو بذلك يقدم ما يمكن تسميته بالنص المفتوح! . هذا ما يظنه بعض المبدعين ، أن الكاتب حين تنفتح عوالمه وهو رهن حالة إبداعية على كافة الفضاءات ليستقبل ويتفاعل فالناتج نص مفتوح، ففي حوار صحفي مع أحد المسرحيين العرب قال إن لديه كتابا تحت الطبع لا يخضع للقوالب والتسميات الشائعة، فهو ليس قصة ولا رواية ولا شعرا، إنه ببساطة ـ على حد وصفه ـ نص مفتوح على كل الأجناس الأدبية المعروفة، وتطوع هذا الكاتب المسرحي بتعريف النص المفتوح بأنه بمثابة حوار ينطلق باتجاه واحد، صوب المتلقي.
وحتى لو لم يكن هذا هو المقصد التأسيسي لمصطلح النص المفتوح حين أورده الايطالي آمبرتو إيكو في كتابه “العمل المفتوح” الصادر عام 1962، إلا أنها رؤية تثري الجدل الدائر منذ أكثر من نصف قرن حول المصطلح.
والنص المفتوح له مقابل لغوي هو النص المغلق، والمعني بالنص المفتوح كما يراه الدكتور محمد عناني في كتابه المصطلحات الأدبية الحديثة، هو النص الذي ينفتح على كل احتمالات التفسير، أي أنه النص الذي يقبل كل تأويل محتمل.
أما “النص المغلق” فهو ذلك النص الغائم الدلالة، وبرغم ذلك فإنه لا يحتمل إلا تفسيراً واحداً، وهو ما يلاحظ بوضوح في النصوص القانونية، والعلمية، وعلى مستوى الكتابة الأدبية نلاحظه في النصوص البوليسية وما يتصل بها من روايات الجاسوسية.
ويؤكد بارت أن متعة القارئ للنص المغلق تتوقف عند نشوة التلقي أو الاستقبال، بينما تتجاوز ذلك حين يكون في مواجهة نص مفتوح إلى متعة التصيب فالتوالد، حيث تنبثق من رحم ملكة التذوق التفسيرات والرؤى لما تلقى، إلا أن الخطورة تكمن في التلقي الخاطئ من قبل بعض الباحثين لما قاله فاليري من أنه “لا يوجد معنى حقيقي لنص ما” حيث ألقى هؤلاء بالكرة في ملعب المتلقي ومدى قدرته على السباحة في النص والتي تحدد ما إذا كانت القراءة صحيحة أم غير صحيحة. وهذا صحيح بالطبع، لكن دون إغفال دور المبدع، فإذا كان رولان بارت يشبه النص المفتوح بالعلاقة المنجبة والمنغلق بالعلاقة التي لا تنتهي بالانجاب، فتلك العلاقة في الحالتين لا تجري إلا بين شريكين، لكل منهما دوره، وبالتالي فسلامة العملية الإبداعية إن كانت مرهونة بالقراءة الصحيحة فهي مرهونة في مرحلة سابقة بكتابة أيضا “صحيحة” أي ثرية بالجماليات والدلالات والمواد الخام التي يصنع منها كل متلق رؤى وتفسيرات قد تكون مغايرة لما يصنعه غيره من نفس المواد.
إذا نحن إزاء مفهومين للمصطلحين المتقابلين، حيث يقصد بالنص المفتوح، ذلك العمل الذي لا تذيل سطوره الأخيرة بنهاية محددة، بل يترك الأمر للمتلقي ليتخيل ما يراه نهاية ملائمة للنص، على النقيض من ذلك النص المغلق حيث يتحمل الكاتب مشقة رسم النهاية ليتلقاها القارئ مكتفيا بمتعة الاستقبال في كسل
على أية حال، فطبقا لتفسير الباحثين لمصطلح النص المفتوح ومقابله النص المغلق فإن آمبرتو إيكو قدم لنا عبر كتابه “العمل المفتوح” نصا مفتوحا، مازالت سطوره بعد أكثر من نصف قرن تخصب أدمغة الباحثين بالعديد من الرؤى والتفسيرات، وتلك سجية أصيلة في كل كتابة جيدة ومتفردة سواء كانت إبداعا أو تنظيرا ، أن ترى فيها كل عين فضاء مغايرا لما تراه عيون الآخرين!

محمد القصبي

إلى الأعلى