الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / فلسفة الإصلاح التركية

فلسفة الإصلاح التركية

إن الدور الذي تلعبهُ تركيا في الآونة الأخيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي هيأ لها مناخا جيدا لإعادة التوازن لسياساتها الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى إنعاش اقتصادها، بل ومهد لها الطريق لوضع الرؤى السياسية والاقتصادية لبناء الدولة التركية الحديثة. ومما لا شك فيه بأن الاستقرار السياسي والاقتصادي يلعب الدور الأكبر في دفع عجلة التنمية رغم المتغيرات الكثيرة والمستجدة على المستويين المحلي والدولي.

وبالرغم من الصراع الذي خاضه حزب العدالة والتنمية ضد الأحزاب التركية وأبرزها حزب الشعوب الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني والخلافات التاريخية بين هذه الأحزاب والأيدولوجيات، إلا أن ذلك لم يُعطّل من سير عجلة التنمية في هذا البلد الذي مر بمراحل تاريخية حاسمة من الصراعات والانقلابات السياسية، بل أكسب هذه الأعراق والطوائف والأقليات مرونة في التعايش رغم الاختلاف في الأصل والمنشأ.

ففي أثناء فترة رئاسة أردوغان للوزراء ازداد الناتج المحلي بين عامي 2002 و 2015، حيث بلغ الناتج المحلي في العام 2002 حوالي 230 مليار دولار، بينما بلغ نحو 800 مليار دولار في العام 2015. أما بما يخص نسبة دخل الفرد فقد ارتفعت من 2500 دولار لتصل إلى 10500 دولار بنهاية العام 2015.

ومما لا شك فيه بأن هذه الزيادة تُعزى إلى زيادة إجمالي الصادرات التي قُدّرت بنحو 130 مليار دولار في العام 2015، بينما كانت 36 مليار دولار في العام 2002. بالإضافة إلى ازدياد إيرادات السياحة بنحو 34.5 مليار دولار مقارنة بالعام 2002 حينما بلغت 12.5 مليار دولار. بالإضافة إلى ذلك، فقد تراجعت نسبة الباحثين عن عمل والتضخم إلى ما دون 10 % ، وذلك بسبب ازدياد الاستثمارات الأجنبية وإنشاء المشاريع التنموية بما في ذلك قطاع المواصلات والبنية الأساسية وغيرها.
وبالحديث عن رؤية 2023، وهي إحدى أهم مشاريع القرن التي تبنّتها الحكومة التركية. هذه الرؤية حسب ما صرّح به المسؤولون الأتراك سوف تساهم في تأسيس الدولة التركية الحديثة لما لها من أبعادٍ اقتصادية وسياسية على المدى البعيد. ومن ضمن الأهداف الاقتصادية هو دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2023 كقوة سياسية واقتصادية عالمية، لتكون بذلك ضمن أقوى 10 اقتصادات في العالم.
وقد اعتمدت هذه الرؤية على مقوّمات رئيسية وأساسين مهمين، وهما البحث العلمي والتعليم. وقد أعلنت الحكومة التركية عن حزمة إصلاحات جديدة مطلع هذا العام، وذلك بزيادة الإنفاق في مجال البحوث العلمية، ورفع نسبة الإنفاق عليها من 1% إلى 3% من إجمالي الناتج المحلي. بالإضافة إلى سعيها لزيادة عدد الباحثين من 115 ألفا إلى أكثر من 300 ألف باحث في مختلف المجالات والعلوم. وقد احتلت تركيا في وقتٍ سابق المرتبة الثالثة عالمياً من حيث زيادة حجم الإنفاق على البحث العلمي.
وبدورها فقد قامت الحكومة التركية بتطوير مراكز البحث العلمي والتعليم بما يخدم شريحة كبيرة من الباحثين والطلبة، مثل مؤسسة تركيا للأبحاث التكنولوجية والعلمية التي تسعى لتأهيل الكوادر وصقل مواهبهم وقدراتهم للانخراط في سوق العمل. بالإضافة إلى انشاء مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية، هذا المركز سيكون نقطة تحول هامة في تاريخ تركيا الحديث، حيث سيتيح الفرصة للكثير من الباحثين والمهتمين لتطوير قدراتهم في مجالات العلوم السياسية والاقتصادية والعلاقات الدولية، وتحليل المستجدات على الساحة الإقليمية والدولية، وذلك لتحقيق أهداف ورؤية 2023.
أمّا بما يخص التعليم الجامعي، فقد وصل عدد الجامعات في تركيا إلى 172 جامعة، وتسعى الحكومة التركية كذلك في خطوة طموحة إلى زيادة عدد الجامعات بحلول عام 2020 إلى 500 جامعة. ووفقاً للإحصائية الأخيرة التي قامت بها مجلة تايمز هاير إديوكيشن فقد دخلت ست جامعات تركية ضمن قائمة أفضل الجامعات على مستوى العالم.
علاوة على ذلك، فإن الاستقرار السياسي هيأ لتركيا بيئة خصبة للنمو الاقتصادي. حيث أن المؤشرات الأخيرة تشير إلى أن تركيا من الممكن أن تتبوأ مكانة إقليمية ودولية في مجال نقل وإمداد الطاقة، وذلك بلعبها الدور المركزي في تحقيق التوازن بين الدول المتنازعة، خاصة في ظل الظروف الراهنة والصراعات التي تمر بها بعض دول المنطقة، وذلك ما دعا بعض هذه الدول إلى البحث عن ممرات آمنة لمرور الطاقة إلى الدول الراغبة في شراء الطاقة.
فقد قامت شركة خط أنابيب الأناضول (TANAP) بتنفيذ المرحلة الاولى لنقل الغاز الطبيعي من أذربيجان مروراً بتركيا ووصولاً إلى أوروبا. مما دفع بعض الدول التي ترغب ببيع الغاز الطبيعي المسال كإيران وقطر والعراق وإقليم كردستان إلى عقد شراكات تجارية مع تركيا باعتبار أن الأراضي التركية هي الممر الأكثر أماناً لتصدير الغاز الطبيعي المسال. خاصة وأن الدول المجاورة لتركيا تمتلك ما يقرب من 60% من احتياطي الطاقة العالمي.
هذه هي بعض الحزم الإصلاحية التي قامت بها الحكومة التركية خلال أكثر من عقدين من الزمن، وهي مستمرة في نهجها لبناء الدولة التركية الحديثة.
فهل من الممكن أن نستفيد من فلسفة الإصلاح التركية ؟.

عبدالعزيز الروشدي
a.alroshdi@squ.edu.om

إلى الأعلى