الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / السبلة العمانية ودورها المجتمعي
السبلة العمانية ودورها المجتمعي

السبلة العمانية ودورها المجتمعي

يستقي منها الأبناء فيصل الخبرة وعزيز التجربة ومنار الحكمة
مسقط ـ العمانية:
لعبت السبلة أو المجالس العامة العمانية دورا بالغ الأهمية في المجتمع وكانت تتولى احتواء المتحاورين في مجالاتها والسمو بأفكارهم البناءة لبناء مجتمع متماسك في قيمه وعاداته وضبط إيقاع سلوك أفراده في إطار من الثقافة الدينية والمجتمعية التي لا يشذ عنها شخص إلا وسرعان ما يعود إليه الصواب فيصب إناؤه في الكل المجتمعي.
ويقول سعادة المكرم محمد بن حمد المسروري عضو مجلس الدولة إن السبلة نهضت في ماضي الأيام وحتى منتصف ثمانينيات القرن العشرين بالعديد من المهام السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والثقافية، مشيرا إلى أن مصطلح (المجلس العام) حاضر و(السبلة العمانية) ماض يتداخلان في مضمون كليهما المجتمعي وأدوارهما المشتركة المؤدية إلى خدمة مجتمع محيط بهما وهو المكان الذي يلتقي فيه أهالي الحي أو القرية مع بعضهم لبحث أغلب شؤونهم وهي كذلك مضيف لابن السبيل، وهناك سبلة أو سبل خاصة في مساكن بعض الشخصيات الأهلية لاستقبال الضيوف وسواهم.
وأوضح سعادته أن السبلة بالمفهوم العام ليست البرزة المعروفة في نظام الحكم العماني القديم إذ الأولى جل حضورها من أهل القرية أو المحلة غالبا دون سبق تنسيق، بينما البرزة هي بروز أو ظهور أو جلوس حاكم أو ممثله في حضرة قاض شرعي يقضي بين المتخاصمين بعد أن يحيل إليه الحاكم أو من يمثله كالوالي الذي يتولى إحالة القضايا لأهل الرأي والحكمة من أفراد المجتمع بغية الوصول إلى صلح بين المتخاصمين قبل الاحالة إلى القضاء ويجلس في مكان معلوم من الحصن أو القلعة التي تمثل السلطة المركزية ومباح حضور العامة به في أوقات معلومة من اليوم.
وقال سعادته في تصريح لوكالة الأنباء العمانية إن هناك توصية من مجلس الوزراء بإعادة تفعيل الدور الأساسي للسبلة أو المجالس وهو الدور الاجتماعي من غرس لقيم وأخلاق المجتمع في الأبناء الشباب والموروثات من آداب وفنون وتراث لا مادي حيث كان الشباب سابقا يجلسون في السبلة مع أبائهم وأقربائهم وكبار السن في مجتمعهم ويستمعون إلى أحاديثهم وأفكارهم ورؤاهم، وتعلمنا منهم الأشياء الكثيرة التي لا تعلم في المدارس وهذه الأدوار ما زالت غائبة لأن دور السبلة شبه انتهى لأسباب أهمها ارتباط الناس بالوظائف والأعمال ومصالحهم التي تشغلهم وابتعادهم لتلك الظروف عن مناطق سكناهم التي تضم أهلهم وأقاربهم وجيرانهم ووجود المربيات الوافدات في المنازل.
وأكد سعادته على ضرورة أن تتولى المؤسسات الحكومية مجتمعة ومن بينها وزارة التنمية الاجتماعية ومكاتب الولاة تفعيل دور السبلة لإيجاد جيل واعٍ بقيمه وتاريخه وتراثه ولن يتحقق ذلك إلا من خلال التفعيل المباشر بجلوس الأباء مع أبنائهم مشيرا إلى أهمية تفعيل دور السبلة في الوقت الحاضر على الأقل في أيام العطلات وعلى وزارة التنمية الاجتماعية أن تتولى هذا الدور وأن يناط بها لأن هذه علائق اجتماعية لا بد من تطويرها.
وحول دور المجالس البلدية في المحافظات والولايات في هذا الصدد قال سعادة المكرم محمد بن حمد المسروري عضو مجلس الدولة إن تلك المجالس أنيط بها دور جزئي من أدوار السبلة وهو جزئية التعاطي مع الخدمات وبقي للسبلة أدوار اخرى كثيرة اجتماعية واقتصادية وتعليمية وتثقيفية وغيرها لا بد من الاهتمام بها وتفعيلها.
وبين سعادته في بحث قدم مؤخرا الى الندوة الوطنية حول أفضل الممارسات المجتمعية وأشرف على إصداره مركز الدراسات والبحوث التابع لمؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان إنه إضافة إلى الدور المهم الذي لعبته السبلة في السياسة المحلية للحي أو القرية أو المدينة حيث يتم عقد الصلح بين القبائل المحلية في محيط السبلة أو إعداد التوسط بالصلح وذلك بين قبائل وأخرى سواء داخل الولاية أو الولايات الأخرى أو إجراء الاستعدادات السياسية لمقابلة الحاكم أو والي قد أتى الى الولاية من قبل السلطة المركزية فإن للسبلة دورا اجتماعيا شمل الصلح في الأمور المالية وقسمة المواريث ورصد أموال الأيتام والأرامل وتوكيل من يرى فيه الكفاءة والصلاح والقدرة على حفظها من بين اقربائهم الأقربين وتوثيقها ومتابعة التزامه بما التزم به.
وأضاف أن السبلة في المجال الاقتصادي كانت ترسم حقوق المساهمين في الفلج وفق نظام دقيق لتقسيم المياه بين الملاك باستخدام نظام حركة الظل في سطوع الشمس أو ما يدعى محليا بـ ( المزولة ) هذا في وضح النهار أما الليل فيتم احتساب الحصص في مياه الفلج من خلال حركة الكواكب والنجوم حيث يتولى حسبتها شخص متخصص في قسمة مياه الفلج.
كما يتم في السبلة رسم سياسة تنظيم الأسواق المحلية وتحديد مقدار الرسوم على بعض البضائع التي تباع في هذه الأسواق وتصنيفها والتصرف بالعائد منها (سوق ولاية جعلان بني بوحسن نموذجا) حتى عام 1974 كانت تتم جباية أو فرض ضريبة على كل بضاعة ترد إلى سوق الولاية من غير أبناء الولاية بصفتهم القبلية وعندما يشترون كذلك وفق نسبة محددة من المبيع أو المشترى من قبل الغير تضاف الى قيمة البضاعة..
حيث ينصب الأهالي انطلاقا من السبلة من يرتضونه لحفظ العائد الضريبي ويشترك الجميع في أوجه التصرف به كما ” تسهر السبلة من خلال حكمائها على رسم السياسات العامة للأسواق في البيع والشراء وتسيير القوافل تغدو بماذا وتعود بماذا وابتعاث الممثلين التجاريين إلى الولايات الأخرى بل وإلى الدول المتلقية للبضائع المحلية، إضافة إلى أن المجالس أو السبل التي تكون بجوار مزارع النخيل أو في القرى يمارس الحرفيون فيها كثيرا من الحرف التقليدية.
وحول الدور التربوي والثقافي للسبلة أوضح سعادة المكرم محمد بن حمد المسروري عضو مجلس الدولة أن السبلة تعد مدرسة للناشئة من أبناء المجتمع المحيطين بها حيث تقام فيها حلقات التعليم الهجائي والديني والمعرفي للصغار والكبار أحيانا لمن يرغب في الاستزادة منهم علما، وإلى جانب ذلك فإنها تعد ملتقى العلماء الى جانب المسجد والمدرسة إن وجدت وحافظة لحكمة وحكماء الأمة وهي موئل للأدباء ومحط رحال الشعراء تجلي مواهبهم وتجل مناقبهم الى جانب انها مركز إعلام وتواصل وهي مصدر لاستجلاء المعرفة من عارفيها وهم علماء الأمة وثقاتها حين ذاك، وعدت حاضنة لأخلاق المجتمع وتخلقه، يستقي منها الأبناء عن الأباء فيصل الخبرة وعزيز التجربة ومنار الحكمة.
كما تعتبر السبلة مكانا للتعارف بين الأجيال وتقوية صلة الرحم واكتساب طرائق الاحترام والتقدير للآخر والإصغاء إلى حديث الكبار والتحاجج بين المتحدثين، ويتعلم الأبناء عادة السمت في المجالس وحسن الاستماع مع وضعية الجلوس اللائقة بهم بين أبائهم واكرام الضيف والسهر على خدمته وحسن استقباله وسؤاله عن العلوم والخبر بالطريقة المتعارف عليها في المجتمع، والسبلة فوق ذلك وما بعد مصدر الهام للشباب للاضطلاع بمهام الحفاظ على الوطن والذود عن حياضه والشعور الصادق بالانتماء الى ثراه وعناق هامته.

إلى الأعلى