الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / لِنُحْسِنَ فَهْم العلاقة بين واشنطن وموسكو!

لِنُحْسِنَ فَهْم العلاقة بين واشنطن وموسكو!

جواد البشيتي

كلَّما عصفت أزمة في العلاقة بين واشنطن وموسكو، ولو كانت أقل وزنًا من “أزمة القرم” الآن، كَثُرَ الحديث، وفي الإعلام على وجه الخصوص، عن “الحرب الباردة”، لجهة العودة إليها، أو استئنافها؛ مع أنَّ تاريخ العلاقة بين العاصمتين لم يَعْرف شيئًا من “الحرب الساخنة”. ويتفرَّع من هذا الحديث حديث آخر، مداره “النِّظام الدولي الجديد”، قَيْد النشوء والتَّكوُّن، أو الذي نشأ وتَكوَّن.
وما أنْ انفجرت “أزمة القرم”، على حين غرَّة، حتى كاد تمييز “الصِّلَة الزمنية” من “الصِّلة السببية”، في كثير من الأحداث والتطورات الدولية، ينعدِم في الآراء والتحليلات الإعلامية والسياسية؛ وكأنَّ كل ما يَقَع من أحداث “بعد” انفجار “أزمة القرم” يجب النَّظر إليه على أنَّه “نتيجة”، بينه وبين تلك الأزمة “صِلَة سببية”؛ ثمَّ يأتي “المُرْتابون” ليُفَسِّروا تلك “الصِّلَة السببية”، التي قد تكون “صِلَة زمنية” لا أكثر، ولا أقل، بما يُوافِق نظرية “المؤامرة”، بمعناها المتطرف في تناقضه مع الواقع؛ فالعاصمتان، على ما يَعْتَقِد هؤلاء، متوافقتان متفاهمتان على كل ما حدث، ويحدث، وبدءًا من “أزمة القرم” نفسها؛ وإنِّي لأقول ناصِحًا: لا تُبَسِّطوا العلاقة بين قُطْبيِّ العالَم، فهي أَعْقَد من تبسيطكم لها؛ ولا تُعَقِّدوها، فهي أَبْسَط من تعقيدكم لها.
الاتحاد الروسي، بزعامة بوتين الآن، هو “مُرَكَّب تاريخي” من “الستَّالينيَّة”، التي أطاحت “اللينينية”، ومن “الرأسمالية”، التي أطاحتها الثورة البلشفية؛ وإنَّ بوتين (الدَّوْر، لا الشخص) هو ابن “الضرورة التاريخية” الروسية، ولا يمكن فهمه إلاَّ بصفة كونه “الزعيم القومي لروسيا الرأسمالية”، التي، بَعْد، وبفضل، تجارب ليبرالية عِدَّة فاشلة، اكتشفت أنَّ “الستَّالينيَّة” الخالِصة من “شيوعية ستالين”، أو شيئًا من هذه “الستَّالينيَّة”، هي خَيْر شكلٍ للحُكْم فيها. و”روسيا النووية” هي الآن، وكما كانت من قَبْل، الدولة الوحيدة في العالَم التي في مقدورها إبادة الولايات المتحدة في ساعات معدودة، إنْ هي قرَّرت “الانتحار”؛ وكان جورباتشوف، آخر رئيس للاتحاد السوفياتي المنهار، قد حذَّر الولايات المتحدة من عواقب سعيها إلى إحراز التفوُّق العسكري الاستراتيجي على بلاده قائلًا: إنَّ أحدًا في العالَم لا يُمْكنه منع الاتحاد السوفياتي (أو الاتحاد الروسي الآن) من أنْ يُفَجِّر ترسانته النووية فوق أراضيه!
إنَّ “الرعب النووي المتبادل” كان، وما زال، يُمَثِّل الأساس والجوهر في العلاقة المتناقضة بين القطبين؛ فكلاهما يرتبط مع الآخر بكثيرٍ من المصالح الحيوية والاستراتيجية؛ وكلاهما، في الوقت نفسه، في صراعٍ لا يتوقَّف مع الآخر، يَسْتَتِر تارةً، ويَظْهَر طورًا؛ وهذا الصراع يستمدُّ وقودًا له من “نِزاع المصالح”؛ فإنَّ بعضًا من مصالح أحدهما لا يمكن الحفاظ عليها إلاَّ من طريق الإضرار بمصالح مهمَّة للآخر؛ وكلاهما مُتَّفِقٌ تمامًا مع الآخر على “النقطة” التي ينبغي لصراعهما ألاَّ يتخطَّاها مهما اشتد وعَنُف.
بينهما دائمًا لعبة تسمَّى “اقتسام، وإعادة اقتسام، النفوذ (العالمي)” بما يتناسب مع كل تغيير كبير في ميزان القوى الدولي؛ إنَّهما، وبعد كل تغيير كبير في ميزان القوى هذا (فهُما لا يمكنهما دائما التحكُّم في القوانين الموضوعية للأحداث العالمية) يسعيان إلى التفاهُم؛ فكلاهما يسعى في “إقناع” الآخر بضرورة أنْ يعطيه، ويتنازل له، بدعوى أنَّ ميزان القوى قد تغيَّر لمصلحته؛ فإذا فشل سعيه، اتَّفَق مع الآخر على “خَوْض الصراع (السافِر الصريح)”. وعمَلًا بهذا الاتِّفاق (الممكن دائمًا، والضروري، بين واشنطن وموسكو) يشرع كلاهما يَلْعَب لعبة اختبار القوى مع الآخر، لاعِبًا كل ما لديه من أوراق يَظُن أنَّها رابحة. كلاهما يقول للآخر: دَعْنا نخوض الصراع؛ لكن من غير أنْ نسمح لصراعنا بتخطِّي تلك النقطة الحرجة. وبعد زمن يَسْتَنْفِداه في الصراع، وفي تغيير كثيرٍ من الوقائع، كما هي الحال الآن في شبه جزيرة القرم، يَظْهَر ويتأكَّد “الوزن الحقيقي الواقعي” لكليهما، فيُعيد كلاهما السيف إلى غمده، ويجلسان وجهًا لوجه، ليتفاهما ويَتِّفِقا على إعادة اقتسام النفوذ بما يتناسب الآن مع الحقائق الجديدة التي تمخَّض عنها صراعهما المحكوم دائمًا بقانون “إلاَّ الحرب النووية”؛ ونحن الآن في مستهلِّ هذه الجولة الجديدة من هذا الصراع!

إلى الأعلى