الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / المحليات / السلسلة الرمضانية

السلسلة الرمضانية

الحلقة «1» : المقاصد من مشروعية الصوم ووجوبه
الشريعة الإسلامية جاءت بأحكام مختلفة المعاني، متعددة المرامي، يسيرة المنال للقاصي والداني؛ فكلها تهدف إلى تحقيق المصالح الدنيوية والأخروية للعباد عاجلها وآجلها، وهو أمر استقر عليه العمل عند جملة من أهل التحقيق من علماء الأصول والمقاصد، ويتضح ذلك – جليا – من خلال الوقوف على مختلف النصوص الواردة في تقرير العبادات والأحكام، ولا يتأتى معرفة حقيقة هذه المصالح إلا بالفقه في الدين، والعمل بالتأويل، والعلم بمقاصد التشريع، فأحكام الله تعالى معللة بأحكامها على ما هو معتمد، وهذه العلل هي المعبّر عنها بالمصالح. ومعرفة المقاصد من تلك المصالح والعلل طريق موصل إلى الأسرار القرآنية والنبوية المعهودة، ولا يمكن ان يتحقق ذلك كله إلا من خلال الالتزام والتقيّد بأوامر الدين حذو النعل بالنعل، يقول الله تعالى مبينا الغاية من خلق العالمين:(وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون)»الذاريات/56»، ويقول:(الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا)»الملك/2» فلام التعليل في قوله «ليعبدون» وقوله «ليبلوكم» دالة على تحقيق مصلحة العبادة والابتلاء بالنسبة للعباد حتى يسعدوا ويفلحوا باتباع الأمر والانتهاء عن الزجر. وهكذا تنجلي لك – القارئ الكريم – معرفة مقاصد التشريع ومصالحه من خلال استقراء النص الشرعي والوقوف عند مكنوناته في كل جزئية من جزئياته، كالصلاة والحج والقصاص والمعاملات والزواج وغير ذلك من جزئيات العبادات المختلفة. وبعد هذه التوطئة لمحاولة تقريب الأفهام من معرفة وضع المولى الكريم للشريعة ابتداء على قول الإمام الشاطبي. نستدرج المقال في هذه السلسلة الرمضانية للوقوف على أهم المقاصد الجزئية لعبادة الصيام بما يفيض به المولى عليّ في بيانها؛ حيث إن الله تعالى شرع الصوم وأوجبه على عباده المؤمنين، وبيّن الغاية من ذلك في عدة أحكام متعلقة به نقف عندها بمشيئته تعالى. يقول الله تعالى:(كتب عليكم الصوم كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)»البقرة/183» ووجه الدلالة والشاهد على وجوب الصوم قوله «كتب» أي فرض، وهنا أمر يقتضي الوجوب والالتزام كما هو مقرر في علم ألفاظ الدلالات الأصولية عند المحققين. ويتضح من خلال النص أيضا الغاية من تشريع الصوم؛ حيث جعله علة لتحقيق التقوى الخالص لله تعالى من خلال الالتزام والضبط والربط للنفس على منهاج الشرع الحنيف؛ فهناك الابتعاد الدائم والمطلق خلال فترة الصوم وأيامه وزمانه ودقائقه عن كل المنكرات والموبقات والمخالفات، بخلاف باقي العبادات كالصلاة التي يكون التقيّد والالتزام بها محدود الزمان، والحج الذي يكون الالتزام والكف من خلاله عن بعض الأمور دون الأخرى؛ كالبعد عن الجماع والصيد والرفث وغيرها، مع جواز الأكل والشرب فيه، فالصوم فيه صبر ومصابرة على ترك الطعام والشراب وساير المفطرات؛ طاعة للرب، بامتثال أمره، واجتناب نهيه؛ خوفاً من عقابه، ورغبة في ثوابه، وبذلك يتحقق المقصود من التقوى، ولذا فإن الله اختص لنفسه عمله هذا من بين سائر أعماله، جزاء للصائمين الصادقين المخلصين من عباده المؤمنين، وقد جاء في الحديث القدسي (إنه إنما ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي). ولك أن تحلّق – أخي الكريم – بفكرك وعبرتك ولبكّ إلى اغتنام فرصة الوقت، وامتداد العمر، بأن جعل الله لك فرصة إدراك رمضان هذا الذي حرم منه غيرك باختطاف هادم اللذات له، فأصبح في القبور، بعد أن كان راتعا في القصور والدور، وليتك تقف عند قول الشاعر:

كم كنت تعرف ممن صام في سلف *** مــــــن بين أهل وجيران وإخوان
أفناهـــــم الموت واستبقاك بعــدهم *** حيا فما أقرب القاصي من الدانـي
ولذا كان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا دخل رجب قال : (اللهم بارك لنا في رجب، وشعبان، وبلغنا رمضان)؛ لقصد اغتنام الفرصة في العمر بالصيام والقيام الذي يؤدي إلى جعل النفس البشرية ترتقي بلذة التقوى والنقاء والإخلاص لبارئها الكريم. كما تقرر أيضا وجوب الصوم بقوله – صلى الله عليه وسلم -:(بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَحَجِّ الْبَيْتِ). فلا يمكن أن يستقيم بناء الدين وقواعده إلا بوجود الصوم ضمن أفعال التكليف للمكلّف. وكان النبي الكريم – صلوات ربي وسلامه عليه – يبشر أصحابه بالبشر في رمضان كما في حديث أبى هريرة – رضى الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه، يفتح فيه أبواب الجنة، ويغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم). فالنص يشير إلى افتراض الصوم ووجوبه من قبل المولى الكريم لعباده مبينا فضائله التي يأتي الحديث عنها لاحقا بمشيئته تعالى. وإلى حلقة أخرى تجمعنا – بمشيئته تعالى – أستودعكم الله في الحل والترحال…

محمد سيف الشعيلي

إلى الأعلى