الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : ماذا لو جربت «الآن»؟

رحاب : ماذا لو جربت «الآن»؟

أحمد المعشني

جرب وأنت تقرأ هذا الجملة أن تفكر في (الآن) فحسب، اطرد الماضي بعيدا، واجعل بينك وبين المستقبل حجابا هو (الآن) اللحظة الحية، لحظة اليقظة في حياتك، ما تراه وما تسمعه وما تشعر به الآن. تحرر تماما مما مضى، وضع جدارا بينك وبين قبل وبعد، فقط ركز في (الآن) اجعل الآن يتمدد في وعيك، اجعل اللحظة التي أنت فيها تتسع وتكبر وتلف الوجود كله، وعندئذ سوف تسيطر على الزمن، فالزمن لا يعدو أن يكون شعورا وإحساسا، فهو إدراك نسبي يختلف من شخص إلى آخر. عندما أخوض هذه التجربة أثناء ممارسة التأمل فإنني أركز فقط على تنفسي من خلال مراقبة الشهيق والزفير دون أن أتحكم بهما، ألتزم الحياد التام وأترك لهما الحرية التامة، فقط أراقب وأشعر، فقط أركز على شعوري الآن وأجعل عقلي مراقبا لما يجري في وعيي في هذه اللحظة، وعندما تقتحم أفكار متسلطة عقلي، فإنني لا أقاومها، بل أتركها لكي تمر كما يمر المارة من أمامي وأستمر في التأمل حتى أحافظ على الشعور الآني بالآن ولا شيء سوى الآن. لا شيء قبل، لا شيء بعد. جرب أن تفعل هذا، هذه التقنية يجربها الغربيون والشرقيون كطقوس فلسفية؛ لكي ينعموا بلحظات من السكينة والتخلص من وطأة الماضي ومن ضبابية المستقبل وصداع احتمالاته الصعبة. ولكنني أستطيع التحكم في الزمن والتخلص من كل الأزمنة عندما أصوم وعندما أصلي وعندما أذكر الله وأستغفره. وبعد تكرار هذه الممارسة أدركت جيدا أهمية أن أعيش أطول فترة من حياتي في (الآن) وبعد تجارب مستمرة مع التأمل بطريقته الشرقية أو الغربية، أدركت صعوبة ممارسته أحيانا بالطريقة التي تحقق النتائج المرجوة والتي تتمثل في بلوغ حالة الصفاء الذهني والطمأنينة النفسية والشعور بالكفاءة البدنية والعقلية والروحية، فلجأت إلى استخدام التقنيات الحديثة في استحضار الشعور بالخشوع في الصلاة وأثناء ممارسة الأذكار، بعد تكرار التجربة أصبحت أحظى بحضور عقلي ونفسي وروحي وعضوي في الصلاة، وأدركت أنني لو كنت أصلي كما علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم لكنت قد بلغت صلاة الخشوع التي تتحقق منها ثمرات الحياة الدنيا والآخرة. وبعد أن أصبحت أواظب على الصلاة ذات الخشوع بكامل أركانها، أستطيع القول بأن الصلاة هي حل حقيقي لكل المشاكل الصحية والنفسية والمالية والأسرية والاجتماعية. وأستطيع القول بأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أرحنا بها يا بلال» هو فتح مصحة عقلية ونفسية وروحية لاستمداد الحلول الإبداعية التي لا يمكن أن تخطر على البال من خلال فتح قناة الاتصال مع الله سبحانه وتعالى، مع الآن، مع من ليس قبله شيء وليس بعده شيء وليس فوقه شيء وليس تحته شيء، مع عالم الغيب والشهادة، مع اللامحدود واللامقيد واللا مؤطر بزمن أو مكان أو تصور أو تجسيد أو تجسيم. والله إنّ الأمة كلها تستطيع التغلب على جميع مشكلاتها بالصلاة، فمن خلال الصلاة يمكن إعادة ضبط ذبذبات العقل الجمعي لتصبح متناغمة مع حركة الكون التي يريدها الله سبحانه وتعالى، وعندئذ سيزول الخوف ويتلاشى التردد ويتوارى شعور بقلة الحيلة، وسوف يفكر الناس بطريقة إبداعية فيتجاوزون المحسوس إلى المصدر اللا محسوس، وهنا تنشط الطاقات الخفية لدى الفرد والجماعة وتأتي الحلول الإبداعية لتتناغم مع الحلول المنطقية والعلمية.

أحمد بن علي المعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى