الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نماذج مضيئة .. في خدمة كتاب الله

نماذج مضيئة .. في خدمة كتاب الله

السيد عبد العليم

” .. هذا النبت الطيب وهذه البيئة الصالحة تؤتي أكلها من خلال هذا النشء النقي التقي الذي يهرع إلى حفظ وتعلم آيات من كتاب الله – عز وجل – لتنعم السلطنة بذلك الأمن والأمان والرخاء والاستقرار. بينما هناك في أماكن أخرى من يسعى إلى تحريف وتخريب العقول بزرع الفكر المتشدد وتحريف آيات القرآن وتأويلها على غير وجهها لزرع الكراهية والحقد والعنف والتطرف،”
ــــــــــــــــــــــــــ
عرفته منذ سنوات معلما فاضلا للتربية الإسلامية محبوبا بين تلاميذه في التعليم الأساسي الحلقة الثانية حيث كان صديقا مقربا لهم بشكل حببهم فيه وفي المادة التي يدرسها لهم. ولمست فيه شعلة من النشاط والاجتهاد والاهتمام بحفظ وتحفيظ القرآن والتشجيع على ذلك. وبتوفيق الله هداه تفكيره للاهتمام بمسابقة تجمع الطلبة على التباري في حفظ وتلاوة كتاب الله -عز وجل-؛ فوفقه الله للإشراف على مسابقة رتل وارتق منذ نسختها الثالثة، وقد احتفلت بنسختها الحادية عشرة هذا العام، وتأتي هذه المسابقة بتنظيم من مجلس الآباء والأمهات بولاية بوشر ومدرسة الخوير للتعليم الأساسي (5-9) والتي استضافتها جامعة السلطان قابوس. وقد بلغ عدد المشاركين في تصفياتها الأولية أربعة آلاف وثمانمائة وثمانية وعشرين طالبا وطالبة من مائة وعشرين مدرسة، وتأهل للتصفيات النهائية سبعمائة وثمانية وأربعون.
وفي بدايات مسيرة هذه المسابقة المباركة، رأيت هذا المعلم الفاضل وهو يشجع طلبته للمشاركة في المسابقة، ويتواصل مع عدد من أولياء أمور الطلبة المشاركين ليخبرهم بأنه ينتظر أبناءهم عند أقرب مسجد من بيوتهم. ويأتي من البلاد كي يراجع لهم حفظهم للأجزاء المطلوبة في السباق، ويراجع لهم أحكام التلاوة والتجويد. فعلمت من حينها أن هذا الجهد سيكلله الله بالنجاح وذلك بفضل هذا المسعى الدؤوب والجاد من قبل ذلك المعلم الفاضل المهتم بالقرآن وتحفيظه وتعليمه في المدارس بهذا الشكل المنقطع النظير. إنه الأستاذ حمد الحوسني، الذي انطلق مع أعضاء فريق العمل المتطوع معه بمسابقة رتل وارتق واستمر في دفعها وتعزيزها لتزداد تألقا وانتشارا بمرور الوقت. فبعد أن كانت على مستوى المدرسة وبعض مدارس ولاية بوشر أصبحت على مستوى مجموعة كبيرة من المدارس الحكومية بمحافظة مسقط وبعض المحافظات الأخرى، كما شملت مجموعة كبيرة من المدارس الخاصة والعالمية والدولية وعددا من مدارس الجاليات ومدارس الدمج الفكري إضافة إلى عدد من معاهد العلوم الإسلامية.
كما بذل الأستاذ حمد مع فريق العمل جهدا كبيرا في التواصل مع عدد من الشركات العاملة في السلطنة بغية رعاية تلك الشركات للمسابقة بتقديم الهدايا للمتسابقين بوصف ذلك جزء من المسئولية الاجتماعية والأخلاقية لتلك الشركات من ناحية، ولتحفيز الطلاب على حفظ أجزاء من المصحف الشريف والاشتراك في المسابقة وتذليل كل الصعاب أمام الطلاب في ذلك.
وقد انعكس ذلك بشكل كبير على الطلاب الذين التفتوا إلى كتاب الله الكريم، فتناولوه بالحفظ كل حسب قدرته. وقد وسعت المسابقة على الطلاب بحيث كانت على مستويات حسب الصفوف الدراسية للطلاب؛ فبدأت بجزء للمرحلة الأولى وجزأين … إلخ؛ حتى توسع دائرة المشاركة ولا يحرم كل من يرغب في الاشتراك من ذلك الشرف العظيم. فاندفع كثير من الطلبة إلى حفظ أجزاء بغية المشاركة في هذه السباق المحمود.”وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ” المطففين (26). كما أضافت لهم المسابقة أسئلة لكل مستوى بحيث لا يقتصر دور المشارك على الحفظ فقط بل محاولة فهم ومعرفة معاني ومقاصد سور من المستوى الذي يشارك فيه. وأن يكون السباق وفق مراحل تبدأ بالتصفيات على مستوى المدرسة ثم على مستوى جميع المتأهلين من المدارس المشاركة.
والملمح الرئيسي في ذلك ما لمسته من اهتمام الطلبة حتى الصغار منهم بالسعي الجاد للحفظ والمشاركة. حيث باتت المبادرة من هؤلاء الطلبة. وذلك بطلبهم من أهليهم تحفيظهم ومراجعة السور والأجزاء حتى يشاركوا وينجحوا في المسابقة؛ أي صارت الأسرة كلها مهتمة بكتاب الله، فأي فضل أعظم من ذلك؟
ولم يقف دور الأستاذ الفاضل وفريق العمل عند هذا؛ بل سعى جاهدا لإضفاء الطابع الرسمي على تلك المسابقة القرآنية العظيمة؛ فأكرم بهذا الجهد المبارك. وهنا نلمس تلك الأرض الطيبة والبيئة السليمة التي تتطلع إلى النبت الصالح الذي يغرس فيها. فقد أظهر ذلك مدى الاستعداد لدى الطلبة ولدى أولياء أمورهم لحفظ وتعلم أجزاء من القرآن الكريم. وأن هذا الاستعداد موجود ومنتشر وكل ما يحتاجه هو من يفجره ويأخذ بيده كي ينمو ويؤتي أكله:”وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ” الأعراف (58).
فهذا النبت الطيب وهذه البيئة الصالحة تؤتي أكلها من خلال هذا النشء النقي التقي الذي يهرع إلى حفظ وتعلم آيات من كتاب الله -عز وجل-، لتنعم السلطنة بذلك الأمن والأمان والرخاء والاستقرار. بينما هناك في أماكن أخرى من يسعى إلى تحريف وتخريب العقول بزرع الفكر المتشدد وتحريف آيات القرآن وتأويلها على غير وجهها لزرع الكراهية والحقد والعنف والتطرف، فنجد أطفالا في سن البراءة يقومون بتفجيرات انتحارية هنا وهناك، ونجد شبابا في سن الزهور وفي مراحل تعليمية بل وخريجين شبابا في مستقبل عمرهم بدلا من السعي إلى البناء وتعمير أوطانهم نجدهم يتجهون إلى الهدم والتخريب. ومرد ذلك هو عدم تنشئتهم على حب وحفظ وتعلم كتاب الله كما يفعل أستاذنا الفاضل وفريق عمله هنا.
وبهذا الجهد الذي بذله ويبذله هذا الأستاذ الفاضل ومن معه، قدم خدمة جليلة لهذا الوطن المعطاء وذلك بتحصين أبنائه وبناته بهذا القرآن الكريم والفهم الصحيح له ضد الأفكار الضالة والهدامة. بما ينعكس إيجابا في سلوكيات وشخصيات أبناء البلد؛ ليكونوا مواطنين صالحين وأشخاصا أسوياء يولون وجوههم في الحياة شطر البناء والتعمير وليس الهدم والتخريب. والحمد لله لم نر هنا تطرفا أو مغالاة في الدين وتشددا، بل سماحة ويسرا ومحبة بين أبنائه والمقيمين فيه مهما تعددت جنسياتهم وعرقيتهم ودينهم ومذهبهم. الأمر الذي وقى هذا البلد شر أعمال الهدم والتخريب والقتل والنعرات العرقية والطائفية والمذهبية التي تنتشر في كثير من أرجاء المنطقة.
إن هذا الأستاذ ومن معه يعدون أنموذجا وقدوة ومثلا يحتذى في الاجتهاد من أجل الوصول إلى الهدف النبيل النافع للعباد والبلاد. وأي نفع أعظم من تربية النشء على كتاب الله الذي جعله الله – سبحانه – تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين: “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍوَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ” النحل (89). فكانت تلك الثمرة المباركة والجهد المشكور. ونتقدم هنا بالتحية إلى هذا المعلم والمربي الجليل وفريق عمل المسابقة ولأمثاله وكل من يخدم دينه ووطنه بحب وإخلاص، راجيا الأجر والمثوبة من الله الكبير المتعال.

إلى الأعلى