الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كوابيس الفلوجة أو نكبتها

كوابيس الفلوجة أو نكبتها

كاظم الموسوي

” الوسوم او “الهاشتاجات” خصوصا التي وضعت عن الفلوجة في قنوات اعلامية معروفة باسمها ومواقفها وانحيازاتها الطائفية وصلاتها بالمشاريع الصهيوغربية في المنطقة وتدافعت اعداد وراءها تعلن هوية هؤلاء وأعمالهم ودوافعهم وتبين من هم المروجين او الناشطين خلفها، وهو عمل علني مكشوف، يصب في خدمة مصالح وأهداف واضحة لا تنتهي الى خدمة اهل الفلوجة ولا الشعب العراقي ولا الأمة العربية ولا الإسلامية،”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شكلت مدينة الفلوجة العراقية تاريخيا كوابيس لكل المحتلين للعراق قديما وحديثا، من البريطانيين او الاميركان، وتحملت ما تحملت جراء ذلك. وإذا كان احتلال ما بعد عام 2003 متميزا مع الفلوجة وشقيقتها النجف، لاسيما مع ادارة عراقية محسوبة، من الجوانب السياسية والمذهبية، على المدينتين فان الفاجعة مستمرة عليهما ايضا ومن تقارب معهما او تشابه معهما من المدن الأخرى. واليوم عادت مدينة الفلوجة من جديد الى الواجهة الاعلامية ودموع التماسيح ازدادت عليها وكأنها كانت تعيش بغير ما هي عليه الآن. كاشفة في كل الأحوال النفاق والتضليل والخداع الذي يمارس عليها كلما تعرضت أو اصبحت كوابيس مزمنة. ولعل نكبتها الحقيقية تكمن في هذا الجاري عليها الان، ليس من احتلال ما يسمى بداعش وحسب، بل من هذه الجوقات الاعلامية خصوصا والبكائيين الكذابين الذين يملأون وسائل الاعلام المخزية التي فضحت نفسها وعرت ارتباطاتها بكل ما يعادي الامة والشعب والوطن والمدينة ندبا وتزويرا للوقائع وبثا لسموم قاتلة عرفوا بها او تميزوا بإنتاجها ووظفوا لأجلها.
من يتابع وسائل الاعلام الناطقة باللغة العربية والصادرة من عواصم عربية او اجنبية ويرى وجوه الحقد الطائفي وما يبثونه من دجل صارخ وغثاء مسلف يشعر بأن هذه الحملات الاعلامية والهجمة المخادعة تعكس ما في نفوس تلك المجموعات التي عاشت وتربت وما زالت على الكوابيس والنكبات. وكذلك الامر مع من يتابع الان وسائل التواصل الاجتماعي، مثل التويتر والفيسبوك والمواقع الالكترونية الأميبية التي تكشف حقيقة الاهداف المخطط لها خلفها او امامها، فلن تعد الامور مستترة او مخفية، فوكالات وأجهزة المخابرات التي كانت سبة ووصمة عار يتخفون منها وينكرون تخادمهم معها اصبحت اوراقا او هويات تفاخر وتباه بالارتباط بها او حتى التهديد باسمها. وهذا امر ينبغي الالتفات اليه والتركيز على مخاطره العملية على مستقبل الامة ومصيرها في الحياة والتقدم. فالكل يعلم ان هذه الدول وأجهزتها ووكالاتها ما عملت يوما لصالح الشعوب ولا ساعدت في بناء مجتمع او حضارة او قدمت دعما للإنسانية، مهما كان شكله او حجمه او اطاره.
الوسوم او “الهاشتاغات” خصوصا التي وضعت عن الفلوجة في قنوات اعلامية معروفة باسمها ومواقفها وانحيازاتها الطائفية وصلاتها بالمشاريع الصهيو غربية في المنطقة وتدافعت اعداد وراءها تعلن هوية هؤلاء وأعمالهم ودوافعهم وتبين من هم المروجين او الناشطين خلفها، وهو عمل علني مكشوف، يصب في خدمة مصالح وأهداف واضحة لا تنتهي الى خدمة اهل الفلوجة ولا الشعب العراقي ولا الامة العربية ولا الاسلامية، مهما كانت الوانهم واشكالهم وملابسهم، فهم يقطرون خبثا ونفاقا وتسليما للأعداء اكثر من الوقائع المرة التي يتحدثون عنها اعلاميا فقط. لقد وضح اغلبية من هؤلاء ايام حوصرت المدينة وصبت عليها اسلحة محرمة دوليا، حيث صمتوا وتفرجوا عليها دون ان تنبس شفة لهم، لان من قام بهذه الجرائم هو مشغلهم وممولهم وراعي مصالحهم وفنادقهم ومزودهم بالأخبار والخطط والبرامج، التي بالمناسبة لم تعد سرية او مشفرة. وهذا ليس تخوينا او اتهاما لأحد او تشويها لسمعة او ما شابه ذلك، وإنما وصف واقع وشهادة للكثير منهم ولعل في اصرارهم على ممارسة مثل هذه الاعمال والمبارزات في وسائل الاعلام والتواصل والفضائيات وغيرها دليل واثبات.
اجتاحت القوات الأميركية مدينة الفلوجة العراقية يوم الثامن من شهر تشرن الثاني/ نوفمبر من عام 2004 بعد حصار متعدد الأوجه لأكثر من شهرين بالتعاون مع قوات بريطانية خاصة، وقصف يكاد يكون يوميا بمختلف الوسائل الحربية، طيران ومدفعية وغيرها، للمرة الثانية بعد الاجتياح الأول الذي اقترف قبل خمسة اشهر منه، في شهر نيسان/ أبريل، والذي سبقه، كما صار معروفا، ولحقه عدد من الغارات العسكرية والاجتياحات السريعة، وقتل وأُعتقل واُختطف عدد من سكان المدينة وقصف بعض المساجد والمستشفيات والدوائر الحكومية بما فيها مراكز للشرطة أو نقاط حراسة وحواجز مشتركة وغيرها. وهذه العمليات العسكرية لم تتوقف طيلة فترة احتلال العراق في هذه المناطق بشكل متعمد ولأهداف معروفة في تاريخ كل استعمار أجنبي واحتلال عدواني، ودون تردد أو توقف أو خشية من حساب أو نقد أو إدانة دولية أو عربية، أو من المتعاونين معها من أبناء العراق، الذين يتناغمون مع دمار بلادهم وقتل أهاليهم إذا اعتبروا أنفسهم من أهل العراق. كم عدد الشهداء في هذه المدينة فقط؟، كم عدد العوائل التي أجبرت علي ترك المدينة والعيش في العراء، أو في مخيمات لاجئين؟، كم عدد البيوت التي هدمت وخربت؟، كم عدد الأرواح التي قتلت أو دمرت؟. في المجزرة الأولى في الفلوجة نشرت وسائل الاعلام مقتل 731 عراقيا مدنيا. وفي المجزرة الثانية نقلت وسائل الاعلام أيضا عن مدير المستشفى المركزي في المدينة مقتل 700 عراقي مدني، من بينهم 555 من النساء والأطفال، كما ذكر عن اعتقال الآلاف من الشباب من سكان المدينة. ومثل هذه الأرقام أو الأحداث تكررت في معظم المدن الاخرى، وهي بكل الأحوال ليست الأرقام الحقيقية أو تعبيرا عن وقائع ما حصل فعلا، ولكنها حتى بمقاربتها لما حدث، أين توضع مثل هذه الوقائع في سجلات الاحتلال وتاريخ العراق السياسي المعاصر؟. تذكروا الفلوجة شاهدا ونموذجا عن قيم الاحتلال وأخلاق المحتلين وتابعيهم!؟. ومر هذه الوقائع والحقائق في صمت اولئك الذين يرفعون عقيرتهم اليوم ويزعمون ما يزعمون، وقد تحولت المدينة بفضلهم او بتشجيعهم ومشاركتهم الى ادارة وحكم ما يسمى بداعش ورفع العلم الداعشي على مبانيها. لقد كان سكانها اكثر من 700 ألف مواطن، واليوم يتحدثون عن 50 الف عراقي بقوا فيها، فأين دعاة “حقوق الانسان” ومروجو الفتن عن هذه المحنة لهذه الالاف من المواطنين العراقيين الابرياء؟. واخيرا وحسب ما نقلت وكالات الانباء ووسائل الاعلام ليوم الجمعة 3/1/2014، ووفق مراسل وكالة الانباء الفرنسية في الفلوجة، الذي اختصر الخبر، بأنه اعلن من على منبر خطبة الجمعة فيها انها تحولت الى “ولاية اسلامية” (!)، إلا ان “الكهرباء مقطوعة تماما، ومولدات الكهرباء لا تعمل بسبب النقص في الوقود”. وأضافت الوكالة “إن سيطرة تنظيم القاعدة على مركز المدينة تشكل حدثا استثنائيا نظرا الى الرمزية الخاصة التي ترتديها هذه المدينة التي خاضت معركتين شرستين مع القوات الاميركية في العام 2004″.
في هذه الحالة ماذا يتوجب القيام او العمل عليه؟ وكيف يقتضي وطنيا ودينيا وأخلاقيا وقانونيا وسياسيا؟ أليس تحرير مدينة الفلوجة ومن بقي من أهلها، ومحاكمة المساهمين في دعم ما يسمى بداعش والدفاع عنه فيها وخارجها، مطلبا شعبيا ووطنيا؟. ولابد أن تتم بإرادة العراقيين الذين صمموا عليه، ويبقى السؤال الذي سألته في بعض المقالات المنشورة لي عامي 2004 و2005 عن الفلوجة، ماذا بعد الفلوجة؟!.

إلى الأعلى