الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإبادة التي يتعرض لها مسلمو إفريقيا الوسطى

الإبادة التي يتعرض لها مسلمو إفريقيا الوسطى

لم تستطع حليمة ـ25 سنة ـ التوقف عن البكاء عندما قابلناها مرة ثانية مؤخرا في بوسمبتل، التي تقع على بعد 185 ميلا شمال بانجي عاصمة جمهورية إفريقيا الوسطى. فقد كانت تعيش تحت حماية الكنيسة الكاثوليكية بعدما ذبحت مجموعة مسلحة مناهضة للبالاكا أكثر من 80 مسلما في البلدة.
على مدار الستة أشهر الماضية، سعت مثل تلك المجموعات المسلحة إلى الانتقام من التدمير الكبير الذي أحدثته مجموعة سليكا المتمردة التي يهيمن عليها المسلمون، والتي تولت السلطة في مارس من العام الماضي في هذا البلد ذات الأغلبية المسيحية.
عندما تحدثنا إليها في المرة الأولى قبل ذلك بيومين، ذكرت حليمة أن زوجها وحماها كانا ضمن القتلى وأنها لم تسمع شيئا من أبنائها الثلاثة منذ فرارهم من أمام القتلة. وعندئذ كان هناك 270 مسلما باقيا في بوسمبتل. وبعد ذلك بثمان وأربعين ساعة، كان باقيا 80 مسلما فقط في البلدة ـ كلهم تقريبا من النساء والأطفال والمعوقين.
في هذه الأثناء، وصلت قافلة من الشاحنات التجارية في طريقها إلى الكاميرون. الأقوياء بشكل كافٍ هم الذين استغلوا هذه الفرصة: فقد تخلى الآباء عن الأبناء المعوقين وتخلى بعض الرجال عن زوجاتهم وأطفالهم الصغار. وذلك بسبب يأسهم من النجاة من الكابوس الذي باتت عليه جمهورية إفريقيا الوسطى بالنسبة للمسلمين الذين يدفعون أرواحهم ثمنا لأخطاء السليكا.
ويبدو أن الموت هو الخيار الوحيد الباقي أمام حليمة النحيلة جدا والتي توقفت عن الأكل. وتقول وهي تبكي “ليس هناك أحد يساعدني. ولم يعد عندي قوة لصعود الشاحنات ولا يساعدني أحد. فقد ناديتهم كثيرا لأخذي معهم لكنهم غادروا وتركوني.”
كل من كان حولنا كانوا ممن تم التخلي عنهم. وذكرت ميكائيلة ـ 10 سنوات وشقيقتها زينابو ـ 15سنة المصابتان بشلل الأطفال أن أباهما تركهما عند الكنيسة الكاثوليكية بعد هجوم يناير الماضي ولم يعد إليهما. وقد تم ترك الحاج تورا ـ 70 سنة الذي يعاني من الجذام طريح الفراش في منزله حيث عثر عليه قسيس بعد ذلك بيومين.
وتبدو القوة الوحيدة في هذه المدينة القادرة على حماية المسلمين غير المحصنين من المناهضين للبالاكا هم القساوسة والراهبات الكاثوليك الشجعان من كنيسة بوسمبتل. وقد ذكر الأب بيرنارد كينر أنه قضى يومين في البحث عن ناجين مسلمين بعد مذبحة يناير الماضي. وعثر على طفل عمره 12 سنة مصاب بشلل الأطفال تم التخلي عنه عند نهر مجاور. وبعد خمسة أيام من الهجوم كان الطفل لا يزال في حالة صدمة ويضيف بأن الطفل في البداية حاول الفرار منه حيث كان يظنه من المسلحين المناهضين للبالاكا الذين جاءوا لقتله.
إنسانية وشجاعة وريادة الكاثوليك وقفت وسط المذبحة. وكانوا وحدهم بالفعل في محاولة حماية غير المحصنين. وقد نشرت فرنسا والاتحاد الإفريقي آلافا من قوات حفظ السلام، وقدمت الولايات المتحدة وغيرها من الحكومات دعما لمهمة حفظ السلام. غير أن جهودهم في حماية المدنين تبدو ضئيلة مقارنة بالشجاعة التي أبداها القائمون على الكنيسة.
وكانت أغلب الأماكن التي قمت أنا ومصور الفيديو بزيارتها في رحلة استمرت خمسة أيام خالية من السكان المسلمين، على الرغم من وجود قوات حفظ السلام في مدن كثيرة. فغالبا ما تتصرف القوات الفرنسية والإفريقية التي تتفوق عددا بشكل سلبي جدا، فهي غير قادرة على الحماية من عمليات نهب وحرق المنازل والمؤسسات التي أجبرت المسلمين على البحث عن فرص في أماكن أخرى.
اختفت تجمعات مسلمة برمتها. فقد كانت باورو فيما قبل موطنا لأكثر من 4 آلاف مسلم وأكثر من عشرة مساجد. والآن لا يوجد أي من ذلك. وقد غادر آخر المسلمين في بوالي، التي كان يأوي فيها القس الكاثوليكي 700 في كنيسته، إلى الكاميرون. وآخر المسلمين في يالوك، حيث كان يعيش أكثر من 10 آلاف، غادروا إلى تشاد.
وآخر مسلم في مبيكي صالح ديدو تم قتله مؤخرا على يد مناهضي البالاكا وكان قد بح صوته خلال محاولته إيجاد مأوى مع الشرطة. وقبل ذلك بثلاثة أسابيع كانت الرئيسة المؤقتة كاثرين بانزا ووزير الدفاع الفرنسي جان أيف لو دريان قد زارا مبيكي وأعلنا أنها “رمز للتعايش والمصالحة.” أما الآن فقد رحل الأربعة آلاف مسلم الذين كانوا فيها وتم تدمير مساجدها.
وبالنسبة لأولئك الـ4 آلاف أو نحو ذلك من المسلمين الذين بقوا في بودا فإنهم يعيشون في خوف دائم. والعائلات المسلمة هناك تتضور جوعا حتى الموت. وأعلن الحاج عبدالقدير النحيل جدا أنه دفن اثنين من أبنائه وهما موسى 3 سنوات ومحمد 4 سنوات قبل يوم من لقائنا به. وكان الطفلان قد ماتا من الجوع وكانت زوجته تعاني من وهن جعلها غير قادرة على الكلام.
وكان قد تم نشر عدد قليل جدا من قوات حفظ السلام في وقت متأخر جدا؛ فقد تم الاستهانة بتحدي نزع سلاح السليكا واحتواء مناهضي البالاكا وحماية الأقلية المسلمة. والآن، فإن خيارهم الوحيد يكمن في تسهيل عمليات الإخلاء، خوفا من الإسهام في التطهير العرقي الذي تم نشرهم لمنعه.
على مدار الأشهر الست الماضية، وفرت إدارة أوباما دعما ماليا ولوجيستيا لبعثة الاتحاد الإفريقي وأكثر من 45 مليون دولار في شكل معونة إنسانية. وعليها أن تعمل ما هو أكثر من ذلك لوقف العنف الذي يمارسه مناهضو البالاكا، بداية من توضيح مساندتها لقرار مجلس الأمن الدولي الذي يمكن أن يجيز بعثة حفظ سلام بموارد وخبرة والتي ستكون ضرورية لحماية المدنيين.
بدون هذا الأمن الرئيسي، سوف يكون من المكلف والمؤلم تماما إعادة بناء جمهورية إفريقيا الوسطى.

بيتر بوكيرت مدير الطوارئ بمنظمة هيومن رايتس ووتش،
خدمة واشنطن بوست ـ بلومبيرج نيوز خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى