الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الإصلاح منهج الأنبياء

الإصلاح منهج الأنبياء

منهج الإصلاح الشامل، ودعوة الصلاح الكامل؛ ليس منهجا مستوردا من الغرّب، أو كان وليد الثورة الفرنسية، وليس منهجا يعود إلى الشرق، ليقال إنه من آثار الثورة الفارسية، أو من مخلفات الدولة الرومانية، فالذي طالب بالإصلاح، والذي أسس فقه الإصلاح، هو الله جلّ جلاله، رب السماوات المتعالي سبحانه.
وقد ذكر الله تعالى الإصلاح في القرآن الكريم أكثرَ من مائةٍ وسبعين مرَّة بأساليبَ متنوِّعةٍ، وسياقاتٍ مختلفةٍ، بل جعل الله نفسه مع جلالة قدره، وكمال وجوده أول المصلحين، وقدوة دعوة الصالحين، وهو القائل سبحانه: يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ، والقائل جلّ جلاله: إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ.
وجعل شعار أنبيائه الإصلاح في الأرض، يقول سبحانه:)إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(.
إنّ دعوة الإصلاح، ومحاربة الفساد في الأرض ركن من أركان الدين، قدمه سبحانه على شهادة التوحيد، وأداء الصلاة، وإخراج الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت، يقول جلّ في علاه:)كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ(.
فمن العجب أن يتسابق الناس إلى الصلاة والصيام، والإكثار من أداء العمرة والحج، والتظاهر بالزهد والعبادة، وفي المقابل لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر، بل ومنهم من يقف في وجه كل من طالب بالإصلاح والصلاح، ويشنون عليهم حربا إعلامية، ويضايقونهم في أنفسهم وأهليهم ومعاشهم.
أما يدري هؤلاء أنّ الله كتب اللعنة والعذاب في الدنيا والآخرة لمن رضي بالفساد، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،)لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(.
أولا يدري هؤلاء أيضاً أن ربهم الذي يسجدون له نهى عن السجود لغيره من أي مفسد كائنا من كان، ونهى عن إعاقة دعوة أي مصلح ما دام بالطرق السلمية المباحة يقول ربكم:(وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) ـ أي لا تعيقوا دعوة أي مصلح كان.
إنّ منهج الإصلاح في الأرض هو منهج الأنبياء، والذين قال الله فيهم:(أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ).
فهذا نوح ـ عليه السلام ضحى عمره مصلحا صالحا، تعرض للسب والشتم، والسخرية والاستهزاء، وأوذي في نفسه وأهله، لأنه نادى بالإصلاح في قومه:(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ).
وهذا هود ـ عليه السلام، نادى بالإصلاح في الأرض، فنادى بإصلاح الموارد البشرية، وتحقيق العدالة بينهم، وأن الجسم نعمة من نعم الله، لا يسخر في التكبر على الناس، والتعالي عليهم، وأكل حقوقهم، (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي: ليصلحكم ـ
كذلك النبي صالح ـ عليه السلام، حيث إنّ الإصلاح عنوان مشع من اسمه، كان صالحا مصلحا في دنياه، وفي الآخرة من الصالحين، نادى بالإصلاح العمراني، فحق الإنسان أن يكو له بيت يهنأ فيه، ومن حق الأطفال أن يستقروا في بيوت طيبة يلعبون فيها ويمرحون، شأنهم كشأن غيرهم من أبناء البلد الواحد، فلم يحرم العديد من الناس من حق السكنى، فيقطنون في بيوت رثة، أو يشتتون من مكان لآخر، أو يعيشون أوهام الديون والبنوك، ويهنأ القليل بالبيوت والقصور، فقال مذكرا لهم: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ).
ثم لننظر إلى أبي المصلحين، وقدوة الصالحين، صاحب العقل الاقتصادي، والمنادي بالعدالة المالية، والمحارب للفساد المالي، النبي شعيب ـ عليه السلام، نادى بالإصلاح الاقتصادي، ونهى عن الغش وأكل مال الناس، وأمر بالشفافية في توزيع الثروة، فالمال حق للجميع، فلا بد من المراقبة في توزيعه واستثماره، ليهنأ الكل، وينعم الجميع، فقال قولته المشهورة:(قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
وهذا النبي موسى ـ عليه السلام، صاحب العدالة الاجتماعية، الصابر الصامد، المصلح المخلص، أنظروا بماذا أوصى أخاه هارون عليه السلام عندما أراد أن يتفرغ للقاء ربه أربعين ليلة، هارون وما أدراكم ما هارون، هارون النبي العظيم، أيعقل أن يفسد ويظلم، ويتكبر ويتعالى، وهو يتربع على عرش بني إسرائيل ومن تحت لوائهم، نيابة عن أخيه موسى، فانظروا بماذا أوصاه النبي موسى:(وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ).
فأنبياء الله أفنوا أعمارهم من أجل الصلاح والإصلاح، وباعوا أرواحهم فداء لرضوان الله، فزكريا وابنه يحيى استشهدا في سبيل الإصلاح، وخليفهم عيسى ابن مريم كاد أن يصلب ويقتل لولا أن نجاه الله تعالى، كلّ ذلك وقوفا مع دعوة الإصلاح في الأرض.
وهذا النبي الخاتم ـ عليه الصلاة والسلام، لله ما عانى هذا النبي، ولله ما جاهد وصبر، فكم أوذي في نفسه وأهله، وكم لوحق في أصحابه وأحبابه، كان نبراسا للإصلاح الشامل أخلاقياً وسياسياً، واقتصادياً واجتماعياً، وهو الذي رباه ربه:(لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً).
فهؤلاء أنبياء الله عاشوا حياتهم صالحين مصلحين، ضحوا بأنفسهم وأموالهم شراء لجنة الخير والصلاح، أعدت لكل مصلح صالح: وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ.
إن الصلاح والإصلاح أحب الأسماء إلى الله، وكل صالح مصلح هو ولي لله، يرعاه برحمته، ويمنّ عليه بإكرامه وإنعامه:(إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ).
أما الفساد والإفساد، فمن أبغض الأسماء إلى الله، ومن أفسد أو رضي بالفساد وأهله، فهو في سخط الله ولعناته: وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ.
فعلى المؤمن الحق في ظل هذه التحديات أن يجعل الإصلاح نصب عينيه، وأن يسير مع الإصلاح، وأن يزن ذلك بميزان الله تعالى الذي لا إفراط فيه ولا تفريط.

بدر بن سالم العبري

إلى الأعلى