الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / التوجيه السليم

التوجيه السليم

عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(ما تعدون الرقوب فيكم) قال: قلنا الذي لا يولد له قال:(ليس ذاك بالرقوب ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا قال فما تعدون الصرعة فيكم) قال:قلنا الذي لا يصرعه الرجال قال:(ليس بذلك ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب) ـ صحيح مسلم.
أنكم تعتقدون أن الرقوب المحزون هو المصاب بموت أولاده وليس هو كذلك شرعاً بل هو من لم يمت أحد من أولاده في حياته فيحتسبه ويكتب له ثواب مصيبته به وثواب صبره عليه ويكون له فرطاً وسلفاً وكذلك تعتقدون أن الصرعة هو القوي الذي لا يصرعه الرجال بل يصرعهم وليس هو كذلك شرعاً بل هو من يملك نفسه عند الغضب فهذا هو الفاضل الممدوح الذي قل من يقدر على التخلق بخلقه ومشاركته في فضيلته.
أقبل النبي (صلى الله عليه وسلم) على أصحابه بمقدمة رائعة يثير به انتباه هؤلاء فتتفتح أذهانهم وتصفي قلوبهم وذلك مما يُجمع إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) فقد أعُطي النبي (صلى الله عليه وسلم) جوامع الكلم وجمع للمتحدث شتات الفكر ثم فرقها في طرق شتى نحو الجواب الصحيح الذي يثبت في الذهن ويستقر في الفهم وهو أحدث أنواع الاستنباط التربوي الأصيل والطريقة المثلى في التعليم لطالما اشرأبت إليها أعناق المربين وبمثله تحدث الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن مفهوم الصرعة في أذهانهم وحدثوا عنها وجمعت لهم شتات أفكارهم وتفتحت أذهانهم ثم ألقى إليهم بصحيح الفكرة وحدد لهم المفهوم الذي ينبغي أن يسير عليه الذين يريدون الحق ويهدفون إلى الصواب فقال لهم أنه الذي يملك نفسه عند الغضب فكم من موطن من مواطن الشدة حدد فيها الرسول (صلى الله عليه وسلم) المفهوم فأماط اللثام وكشف الحجاب وأزاح الساتر عن الحقيقة.
وأراد (صلى الله عليه وسلم) أن يوجه التوجيه السليم ويبين متى يكون الصبر على المصيبة فلقد مر النبي (صلى الله عليه وسلم) بامرأة تبكي عند قبر فقال: اتقي الله واصبري قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها: إنه النبي (صلى الله عليه وسلم) فأتت باب النبي (صلى الله عليه وسلم) فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى) ـ البخاري.
أراد النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يبين لها التحديد الزمني الذي يصبح التصرف فيه صبراً يصاب عليه صاحبه وموقف آخر فإن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ كانوا يعدون الاجتماع إلى أهل الميت والأكل عندهم أمر عادي ولكن ذلك فيه ثقل على أهل الميت وشغل لهم علاوة على ما هم فيه من الحزن والهم لمفارقة حبيبهم فوجههم النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى السلوك السليم والمفهوم الصحيح وذلك لما جاء نعي جعفر قال النبي (صلى الله عليه وسلم):(اصنعوا لأهل جعفر طعاماً فإنه قد جاءهم ما يشغلهم) ـ رواه الترمذي وغيره.
وكذلك وجه النبي (صلى الله عليه وسلم) الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ التوجيه السليم نحو من هو المفلس، فعن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(هل تدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع قال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصيام وصلاة وزكاة ويأتي قد شتم عرض هذا وقذف هذا وأكل مال هذا فيقعد فيقتص هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) ـ رواه مسلم وغيره.
وصحح أيضاً لهم مفهوم العقر والذبح الذي كانوا يباشرونه إذ كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة في الجاهلية ويعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد قائلين نجازيه على فعله فقد كان يعقرها في حياته ويطعمها للناس ونحن نعقرها على قبره لتأكلها الطيور والسباع حتى يكون مطعما بعد موته كما كان مطعما في حياته فلما جاء الإسلام نهاهم النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك قائلاً:(لا عقر في الإسلام) ـ رواه أبو داود تصحيحا للعمل وتوجيها إلى حسن العقيدة.
والرسول (صلى الله عليه وسلم) يضع النقاط على الحروف بل يضع الفواصل بين العمل الصحيح وغير الصحيح بالتوجيه السليم أمام العاملين فقد ماتت زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فبكت النساء فجعل عمر ــ رضي الله عنه ـ يضربهن بسوطه فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيده وقال: مهلاً يا عمر ثم قال: إياكن ونعيق الشيطان يعني الصراخ والعويل ثم بيّن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) العمل الجائز حتى لا يقع الناس في الخطأ فقال:(إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله عز وجل ومن الرحمة وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان).
وبالعودة إلى الحديث الذي نحن بصدده طرق الرسول (صلى الله عليه وسلم) على مسامع أصحابه قائلا ما تعدون الرقوب فأجابوه بما تعارف عليه العرب بأن الرقوب هو من لا يعيش لها ولد أو من مات ولدها فتحزن حزناً شديداً فبيّن لهم الرسول (صلى الله عليه وسلم) بياناً يتحقق فيه الحرمان من مجال الثواب على الصبر بل من مجال التعرف على الحساب عند الله تعالى وطلب الثواب منه بمعنى أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) بيّن لهم مجال ارتباط العبد بربه عندما يهبه من البنين ما يشاء سبحانه ويستودعهم أياه عارية ليستردها متى شاء ومتى أراد وبالكيفية التي يريدها وبالمكان الذي يحدده فإن لله ما أعطى ولله ما أخذ فيجد مجال الرضا بقضاء الله والصبر عليه.
.. هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

أنس فرج محمد فرج

إلى الأعلى