الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / التوبة النصوح طريق النجاة

التوبة النصوح طريق النجاة

يحتاج العبد بين الفترة والأخرى أن يراجع حساباته مع ربه, وبعدها لابد له من أن يدخل من باب التوبة مع رب العالمين.
ومن رحمة الله تعالى بعباده أن فتح لهم باب التوبة ودعاهم إلى الدخول فيه والرجوع إليه من خلال توبة نصوح.
فالتوبة أخي المسلم هي طريق النجاة, ولا يستغني عنها العبد السالك إلى ربه عز وجل، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(كل بني آدم خطّاء وخير الخطّاءين التوابون)، وإن الله تعالى بواسع رحمته فتح باب التوبة, ودعا جميع العباد للدخول منه حتى يتخلصوا من الذنوب والمعاصي في الدنيا والآخرة.
فلقد دعا الله تعالى المنافقين إلى التوبة فقال عز وجل:(إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً, إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً) (النساء 145 ـ 146) ودعا إليها اليهود والنصارى الذين قالوا:(إن الله فقير ونحن أغنياء) والذين قالوا:(يد الله مغلولة غُلًت أيديهم ولعنوا بما قالوا).
كل هؤلاء دعاهم الله عز وجل إلى التوبة بقوله تعالى:(أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم) (المائدة ـ 74).
ودعا الله تعالى المشركين إلى التوبة فقال عز وجل:(فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) (التوبة ـ 11).
ودعا إليها المسرفين على أنفسهم من أمة النبي (صلى الله عليه وسلم) وغيرهم فقال تعالى:(قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) (الزمرـ 53)، كما دعا إليها المؤمنين الصادقين, فأمر الله عز وجل أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) بالتوبة بعد إيمانهم, وهجرتهم, وجهادهم, وصبرهم فقال عز وجل:(وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) (النور ـ 31) هذه آية مدنية أي نزلت بعد الهجرة, وعلق الله تعالى فلاحهم بالتوبة فقال: لعلكم تفلحون) متى يُغلق باب التوبة؟ يُغلق هذا الباب العظيم وهو باب التوبة عند حشرجة الموت, وعندما تصل الروح إلى الحلقوم, قال تعالى:(وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار) (النساء ـ 18) فسوى الله تعالى بين من يتوب عند موته ومن يموت بغير توبة في عدم قبول توبته، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، ولذلك لمّا قال فرعون عند الغرق:(آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل)، قال الله تعالى:(الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) (يونس ـ 91)، قال الحسن البصري: ابن آدم لا يجتمع عليك خصلتان: سكرة الموت, مع حسرة الفوت (أي فوت التوبة) وقيل في تفسير معنى قوله تعالى:(وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فُعل بأشياعهم من قبل) (سبأ ـ 54) أي: وحيل بينهم وبين التوبة حين سألوها، كذلك يُغلق باب التوبة أمام الخلق كلهم عند طلوع الشمس من مغربها, قال تعالى:(يوم يأت بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً)، وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال:(لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها, فإذا طلعت ورآها الناس أجمعون فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها وذكر الآية السابقة)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيئو النهار, ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئو الليل, حتى تطلع الشمس من مغربها) ـ رواه مسلم، وقال (صلى الله عليه وسلم):(من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله تعالى عليه)، وقد أمر الله عباده بالتوبة النصوح فقال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفًر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار) (التحريم ـ 8)، والنصح في التوبة هو: تخليصها من كل غشٍ ونقص وفساد، قال الحسن البصري: التوبة النصوح هي أن يكون العبد نادماً على ما مضي , مجمعاً على أن لا يعود فيه، وكذلك يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن وتوبة العبد إلى الله عز وجل محفوفة بتوبتين من الله تعالى: توبة قبلها, وتوبة بعدها: الأولى: إذن وتوفيق, والثانية: قبول وإثابة، قال تعالى:(وعلى الثلاثة الذين خُلّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم) (التوبة ـ 118) ففي هذه الآية المباركة يخبرنا الله عز وجل أن توبته عليهم سبقت توبتهم, وأنها هي التي جعلتهم تائبين, فكانت سبباً مقتضياً لتوبتهم وهذا القدر من سر اسميه الأول والآخر فهو المعدّ والممدّ, ومنه السبب والمسبب, فتوبة العبد رجوعه إلى سيده, وتوبة الرب ّنوعان: إذن وتوفيق وقبول وإثابة, والتوبة لها مبدأ ومنتهى, فمبدؤها الرجوع إلى الله عز وجل بسلوك صراطه المستقيم الذي أمر بسلوكه بقوله تعالى:(وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) (الأنعام ـ 153)، ونهايتها الرجوع إليه في المعاد, وسلوك صراطه الذي نصبه موصلاً إلى جنته, فمن رجع إلى الله تعالى في هذه الدار بالتوبة , رجع إليه في المعاد بالثواب, قال تعالى:(ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً) .. نسأل الله العلي القدير أن يمن علينا بالتوبة وأن يوجهنا إلى طاعته إنه على كل شيء قدير وهو التواب الرحيم .. اللهم آمين .. والحمد لله رب العالمين.

إبراهيم السيد العربي
إمام وخطيب جامع الشريشة / سوق مطرح

إلى الأعلى