السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ـ 8

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء ـ 8

أحمد محمد خشبة
الحمد لله رب العالمين، خلق الإنسان علمه البيان وجعل اللسان مع القلب دليلاً على عقل الإنسان . وصلى الله وسلم على خير من قال ومن علم محمد (صلى الله عليه وسلم)، وبعد ..
فإنه لا توجد مهمة أعلى وأفضل وأهم وأخطر من مهمة الدعاة إلى دين الله. ذلك أنهم يحملون هم نشر الدين وتبليغه وتذكير الناس به، فقولهم هو أحسن قول، (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين)، (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)، (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظٍ عظيم).
وسوف نقدم خلال الشهر المبارك سلسلة حول الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء، أسأل الله جل في علاه أن تكون عونا ونافعة لكل سالكي طريق الدعوة .. والله الموفق.

* ما يستحسن في المقصد:
يستحسن في المقصد كل ما له أثر في رفع مستوى الخطبة، ويرجع معظم ذلك إلى إثارة الشعور، وبعث الاهتمام وتحريك النشاط.
إن أثر الخطيب في المستمعين لا يعظم الا بمقدار قدرته على إثارة عواطفهم، والاستحواذ على مشاعرهم، وهذه الإثارة تتوقف على عدة أمور، منها:
1ـ أن يكون الخطيب متقد العاطفة، مأخوذاً حقاً بما يدعو إليه، وأن يعمل على صوغ مشاعره بما يلائمها من الألفاظ، ويصورها كأكمل وأروع ما يكون التصوير، وبذلك تسرى حماسته وحرارة عاطفته في إحساس المنصتين إليه، وبمقدار ما في عاطفة الخطيب من حرارة يكون اقتداره على إلهاب عواطفهم وتحريك مشاعرهم المختلفة، من رغبة واشتياق، إلى ندم وحسرة، ومن تعجب واستياء إلى حنق واستنكار، ومن تفجع واشفاق، إلى غضب ونقمة ومن تطلع وانتظار، إلى مسرة وابتهاج، وهكذا تتسرب مشاعره الحارة إلى نفوسهم، فتفعل فيها ما يفعل السحر، وخصوصاً إذا كان العرض في بيان رفيع وإلقاء جيد، فإن ذلك هو السحر المبين ، أو لم يقل رسول الله (صلى الله علية وسلم):(إن من البيان لسحراً) ـ الحديث سبق تخريجه.
2ـ أن يكون ذا تصور مقبول، بحيث يعرض الصور الطريفة الشيقة والبعيدة عن الإغراق في المبالغات، لتكون تلك الصورة أداةً لتقريب ما يدعو إليه من أذهان مستمعيه، ولتحريك مشاعرهم وجذبهم إليه، وذلك من أعظم ما يساعد على تقبل ما يدعو إليه مبشراً كان أو محذراً.
وتأمل الأثر العظيم الذي تحدثه أقوال الرسول (صلى الله عليه وسلم) في النفوس عندما يبشر بمثل قوله:(مثل الصلوات الخمس كمثل نهرِ جارِ عذبِ على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، فما يبقى ذلك من الدنس؟).
وعندما يحذر بمثل قوله:(مثلى ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدوابّ التي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها،فذلك مثلي ومثلكم ،وأنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني فتقتحمون فيها) ـ متفق عليه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه.
3ـ أن يحرص على الاهتمام بما يجدد نشاط السامعين ويشدّ انتباههم إليه، ومما يساعد على هذا الأمر تنويع الأسلوب.
فتارة يعمد بعد المقدمة إلى أسلوب التساؤل، فيسأل ـ مثلاً ـ عن معرفة السامعين للحكم الشرعي في قضيه الموضوع، ثم يذكر أن من الناس من لا يعرف ذلك الحكم، أولا يهتم بمعرفته على الوجه الحق، ويؤكد أنه لا يحسن بالمسلم أن يجهل مثل ذلك الحكم، مع أنه يتصل بحياته الشخصية أو بحياة المسلمين بصفة عامة، ويستغرب أن يبقى المسلم غير عالم به.
أو يتساءل عن علم السامعين بحادث اهتزت له القلوب وامتلأت منه النفوس ألماً وحسرة
ويذكر بعض أحداث الأسبوع التي كان لها في القلوب والنفوس مثل ذلك الأثر.
أو يتساءل في استغراب عن أسباب فتور العاطفة الدينية من بعض المسلمين، ويبين أن منهم اليوم من (يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها) (الجاثية ـ 8).
ثم يستعرض بعض المظاهر التي تؤكد ذلك.
وبعد تساؤلاته يقوم بتوضيح ما يناسب كل نوع من هذه الأمثلة أو من غيرها.
إِن أسلوب التساؤل كثيراً ما كان يستخدمه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في مخاطباته فيقول : أتدرون ما كذا وكذا؟ (أتحبون أيها الناس أن تجتهدوا في الدعاء؟ قولوا اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) ـ رواه الحاكم .. الخ، كما كان (صلى الله عليه وسلم) يستخدم نفس الأسلوب في خطبه أحياناً، فيقول:ـ كما في خطبة الحج الأكبر ـ (أي يوم أعظم حرمة؟ أي شهر أعظم حرمة؟ أي بلد أعظم حرمة .. ألا هل بلغت ؟)..إلخ.
وتارة يعمد الخطيب إلى عرض قصة قصيرة ذات عبرة بالغة سواء أكانت من الأحداث الجديدة، أم من التاريخ القديم، ثم يربطها بالموضوع الذي يريد التكلم فيه، ويسوق الشواهد على ذلك من نصوص الكتاب والسنة، ويحلل ويقارن، ثم يستخلص النتائج والعبر.
وتارة يبتدئ بنص من القرآن أو السنة أومن كليهما، فيفسرهما، ويربط واقع الأمة أو تلك المجموعة بذات النصوص، ويعبر عن بالغ الألم فيما إذا كان واقع المسلمين لا يتماشى مع تلك النصوص.
وتارة يعمد إلى موضوع ثرى لا تتسع خطبة واحدة للإحاطة بأبعاده، فيقسمه على عدة خطب في سلسلة ذات حلقات متواصلة، وفي هذه الحال يحسن أن يختم كل حلقه بما يترك المستمعين في تشوق إلى معرفة ما بعدها.
وعلى الخطيب أن لا يقتصر على تنويع أسلوبه من الخطبة إلى أخرى ، بل ينبغي أن يسلك نفس المسلك في الخطبة الواحدة بالقدر المستطاع، فكلما كان حريصاً على التنوع وجد قدرته عليه تتسع أكثر فأكثر، ووجد أن المستمعين لخطبته أكمل انتباهاً وأعظم اغتباطاً .
ومع مراعاته للتنويع ينبغي أن يحذر من أن تكون بداية الخطبة أشد حرارةً من نهايتها فإن ضعف النهاية كفيل بإضعاف حرارة البداية وربما قوضت كل ما شيدته البداية، فمن السداد أن تكون النهاية في نفس المستوى الذي انطلق منه، وأحسن من هذا الصنيع أن تكون نهايتها أقوى حرارة وأعظم تأثيراً،ولا ضير فيما قد يتخلل الطرفين أحيانا من نزول عن مستواهما.
* مايتحتم في المقصد:
إن ما يتحتم على الخطيب في بعض الأحيان هو أن يقيم الدليل على صحة ما يدعو إليه، وعلى تزييف نظرية تتنافى مع ما هو مقرر في الدين أو على أبطال ما يتوهم بعض الناس أنه من الدين أو على الرد على إشاعة باطلة.
إن هذه القضايا واشباهها كثيرا ما تكون في حاجة إلى تولى الخطيب لتوضيح الحق فيها وإنارة الأفكار بشأنها، والتوضيح لا يكون ذا أثر إلا إذا قام على أدلة مسلمة.
والدليل المستعمل في الخطابة هو أحد نوعين، الاول: الدليل المنطقي، والثاني: الدليل الخطابي، أما الأول فاستعماله في الخطابة الدينية أقل من الثاني والمنطق لا ينبني إلا على مقدمات يقينية تفضي إلى نتائج قطعية وله أقسام وأحكام توجد مفصلة في (علم المنطق) فمن أراد معرفتها فليطلبها فيه.
وأما الدليل الخطابي فيكون مبنياً على مقدمات قد لا يسلم بها العقل المجرد وهي التي يستند فيها الخطيب إلى أثر مشهور أو إلى مثل سائر، أو إلى حكمة رائعة، أو إلى عرف شائع، أو إلى ما بين الاشياءمن تماثل أو تخالف وهذه المستندات كثيرا ما ينشأ عنها اقتناع شعوري وتأثر عجيب ومن أمثلة ذلك كلمة ألقاها محمد ابن كعب القرضى بين يدي عمر بن عبدالعزيز قال فيها:(إنما الدنيا سوق من الأسواق، فمنها خرج الناس بما ينفعهم وبما يضرهم، وكم من قوم قد غرهم مثل الذي أصبحنا فيه، حتى اتاهم الموت فاستوعبهم، فخرجوا من الدنيا مرملين لم يأخذوا لما أحبوا من الأخر عدة ، ولا لما كرهوا جنة، واقتسم ما جمعوا من لم يحمدهم، وصاروا إلى من لا يعذرهم، فانظر الذي تحب أن يكون معك إذا قدمت فقدمه بين يديك حتى تخرج إليه، وانظر الذي تكره أن يكون معك إذا قدمت ، فابتغ به البدل حيث يجوز البدل، ولا تذهبن إلى سلعة قد بارت على غيرك ترجو جوازها عندك، يا أمير المؤمنين افتح الأبواب، وسهل الحجاب، وانصر المظلوم، ورد الظالم).
فهذه الكلمة قد اشتملت على طائفة من الأدلة الاقناعية كما ترى،وبذلك تحقق فيها عنصر هام من خصائص الخطابة، وهو حمل السامع على الإقناع النفسي بما يتضمنه الخطاب.
وهناك أمر آخر لابد أن يوجد في المقصد وهو بيان عقيدة الخطيب التي تظهر من خلال خطابه بمعنى هويته وانتمائه التي تجعل كل من يسمعه يستطيع أن يحكم عليه وأن يعرف هذا المتكلم.

* الخاتمة:
هناك تعبير شائع بين الناس، يعبرون به عن كل خاتمة طيبة وهو قولهم:(وخاتمته مسك) وهذا التعبير مستمد من القرآن في وصف شراب أهل الجنة إذ يقول تعالى:(يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك) (المطففين 25 ـ 26).
إن هذا الوصف الالهي الكريم يشعرنا بما للختام من أثر عظيم في النفوس، ولقد انتبه علماء البلاغة إلى هذه الحقيقة فنراهم يتبعون آثار عباقرة البلغاء، ويعدون ارتفاع مستوى الخاتمة في كل خطاب من أهم عناصر (علم البديع) أحد فروع علم البلاغة، ويسمون ذلك (براعة الختام).
كانت الخاتمة من أجل ذلك جديرة بمزيد العناية، لأنها آخر ما يعلق بآذان السامعين، فتكون أكثر استقرار في أذهانهم، وأبلغ أثراًفي نفوسهم، وعلى مستوى جودتها يكاد يتم ارتسام الصورة الانطباعية للخطبة كلها، لمبلغ الأثر الذي تتركه في العقول وفي القلوب.
والخاتمة الجيدة تتنوع فيها مناهج الخطباء، فمنهم من يضمنها تلخيصا لأهم عناصر الموضوع بأسلوب يغاير ما بسط به الموضوع، وتكون آخر جزئية منها آخر نقطة مضت في الخطبة، ومن الخطباء من يجمع فيها أبلغ ما يحرك العواطف ويثير الحماس مستخدما التساؤل أو التعجب أو الاستنكار أو التفجع أو الاستياء أو التحسر أو التأمل أو الابتهاج..الخ.
ومن الخطباء من يجمع بين الطريقتين في الخاتمة الواحدة، وأياً ما يكن اختيار الخطيب لطريقة الخاتمة ، فلابد أن يتخير لها أنصع الألفاظ وأرشق التعابير وأوجز التراكيب، وأن يختمها بجوامع الدعاء للسامعين ولجميع المؤمنين وخير الدعاء ما ورد في الكتاب وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم).
ومن أمثلة الخواتم الحسنة ماجاء في خطبة لطالب الحق(المختار بن عوف الأزدي) أبوحمزةالشاري،حيث تعمد أن يجعل خاتمتها وصفا لأحوال الشهداء من أصحابه فقال:(.. فكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صحبها في جوف الليل من خوف الله، وكم من يد قد أبينت عن ساعدها، طالما اعتمد عليها صاحبها راكعاً وساجداً، وكم من وجه رقيق وجبين عتيق قد فلق بعمد الحديد.. ثم بكى وقال رحمة الله على تلك الأبدان ، وادخل أرواحهم الجنان) (العقدالفريد ـ ج2 ص 161، والبيان والتبيين ـ ج2ص61).
ومن الخطباء من يكاد يلتزم دعاءً معيناً في منتهى الخاتمة، قال ابن عبد ربه:وكان آخر كلام أبي بكر الذي إذا تكلم به عرف أنه قد فرغ من خطبته:(اللهم اجعل خير زماني آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك).
وكان آخر كلام عمر الذي إذا تكلم به عرف أنه فرغ من خطبته:(اللهم لا تدعني في غمرة، ولا تأخذني على غرة، ولا تجعلني من الغافلين).
وكان عبدالملك بن مروان يقول في آخر خطبته:(اللهم إن ذنوبي قد عظمت وجلت أن تحصى وهي صغيرة في جنب عفوك فاعف عني).
وكان عمر بن عبدالعزيز يختم خطبته بقول الله تعالى:(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) (النحل ـ 90).
وقداستبدل عمر هذه الخاتمة بخاتمة كان يختم بها أكثرخطباء بني أمية يشتمون فيها علياً ـ رضي الله عنه ـ وأصحابه.
ـ هذا الذي تقدم محاولة لمعرفة كيفية تناول الموضوع ـ أي موضوع الخطبة ـ وبالتالي صياغته الصياغة الصحيحة ،لكن لنعد مرة أخرى إلى تناول كيفية تقسيم الخطبة وطريقة كتابة الخطبة ومايجب فيها وما يستحسن وما يتحتم سواء في الموضوع أو المقدمة أو المقصد أو الخاتمة.
فقد وجدت كلاماً جيداً لأحد اخواننا العلماء على موقع من المواقع الإسلامية في الشبكة الدولية للمعلومات، فأحببت أن أنقل هذا الكلام لما لمست فيه من الجهد والرصانة، وليكون اضافة لهذا العمل المتواضع،ولنقدم رأياً جديداً ربما تكون فيه الفائدة التي يرجوها أخي الخطيب، وقد أضفت بعض العبارات والتوضيحات على النص المنقول، بتصرف كبير أو يسير أحياناً حسب ما اقتضته الحاجه، والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.مع التأكيد أن لكل خطيب الحرية التامة في صياغة موضوعه بالطريقة التي يختارها وقد قيل أن لكل شيخ طريقته.
.. يتبع.

* إماموخطيبجامعذوالنوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى