الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أهمية الوقت واستثماره في حياة الإنسان (2 ـ 2)

أهمية الوقت واستثماره في حياة الإنسان (2 ـ 2)

رمضان مدرسة للتغيير في إدارة الوقتفهو فرصة كبيرةلمعالجةالذات مع إرادة قوية وعزيمة جبارة

شهر الصوم فرصة لمراجعة الذاتوجدولعام للتخطيط في استغلال الوقت

أجرى اللقاء ـ أحمد بن سعيد الجرداني:
الحياة الزمنية التي يعيشها الإنسان في هذه الحياة الدنيا قصيرة جدا، لذا عبر عنها القرآن الكريم بفترة العصر في سورة العصر، فالعصر أجمل أوقات اليوم وهو وقت الأصيل، والذي طالما تغزل به الشعراء، وتغنى به الأدباء.
والمرء يجد لذة في هذا الوقت، وقد شغله عمله صباحاً، وسكن مع نفسه وأهله ليلا، فلا يجد وقتاً يتلذذ به في المجتمع غير هذا الوقت، لذا ما إن تغرب الشمس إلا ونرى أنّ هذا الوقت مرّ بسرعة خاطفة، والناس منا فيه قسمان: قسم استثمره في النافع، فيشعر بحلاوة الغروب، وقسم كان لاهيا غافلا فلا ينتبه إلا وقد غربت شمس يومه، وهكذا الحياة الدنيا كفترة العصر لا ينتبه الإنسان لانقضائها إلا عندما يحين أجله هناك يعلم من أي القسمين كان فقد تحدثنا في الجزء الأول من هذا الموضوع عن استثمار الوقت في هذه الحياة وكيفية استغلال الوقت بالنسبة لهذا الجيل لكي ينهضوا ببلدانهم إلى التطور والتقدم … واليوم نواصل هذا الموضوع من خلال هذا اللقاءالذي أجريناه مع بدر بن سالم بن حمدان العبريباحث وكاتب عماني..

كيف يوازن الإنسان بين الراحة والعمل دون تضيع للوقت؟
في الحقيقة الراحة هي عمل، لأنها جزء من تكوين الإنسان الذاتي، فالإنسان بحاجة إلى النوم كما أنه بحاجة إلى الحياة، وبحاجة إلى السكون والتأمل، كما أنه بحاجة إلى الحركة، وبحاجة إلى الترويح عن النفس كما أنه بحاجة إلى الجد والنشاط، ومن هنا أيضا ندرك أنه بحاجة إلى الراحة كما أنه بحاجة إلى العمل، فكلاهما جزء تكويني.
إلا أن الخلل عندما تتحول الراحة إلى كسل يقضي على عمل الإنسان، فهذا مرض كأي مرض آخر، على الإنسان أن يسعى في تغييره.
ولا شك أن العمل ينقسم إلى قسمين ضروري وحاجي، أو أولي وثانوي، فالأعمال الأولية المرتبطة بحق النفس والخالق والأسرة والمجتمع، هذه مقدمة يومياً، وتختلف من فرد لآخر، ثم يأني بعدها الأعمال الثانوية، فلا يقدم النفل على الفرض، ولا الثانوي على الأساس.
وهكذا الحال بالنسبة إلى الراحة فمنها ضروري لابد منه، ومنها حاجي ترويحي مساعد على قوة العمل، ومنها مرض وتسويف، وتحديد ذلك مبني على الفرد نفسه، وعلمه بضرورات وقته، حسب عمله وطاقاته، فوقت الطالب يختلف عن وقت العامل، ووقت الكاتب والصحفي يختلف عن وقت العامل في المصنع، وأيضاً يتحدد ذلك بوقت الأسرة والمجتمع كل يعلم أين تكمن الضرورات والثانويات، في العمل أو الراحة، ولا يتحدد هذا إلا بتخطيط سليم، وإرادة تعرف أهمية الوقت وقيمته.
ونحن نعيش أجواء رمضان .. كيف يمكن للصائم أن يرتب وقته؟
رمضان بذاته مدرسة لمراجعة التغيير في إدارة الوقت، وقد وصف الله سبحانه وتعالى أيام الصيام بأنها أيام معدودة، أي تُعدّ بالأصابع، فهي سرعان ما تنقضي، ما إن يستقبلها المؤمن إلا ويتفاجأ بانتصاف الشهر، فيبدأ العدّ التنازلي، ليفارق الشهر وكأنه ضيف جاء على عجالة من أمره.
ولهذا يدرك المرء مما تقدّم بعدين حضاريين مهمين: البعد الأول يتمثل في كلام علماء النفس والبرمجة، وذلك من خلال الحديث عن طبيعة التغيير في النفس البشرية، إذ أنّ النفس البشرية لتغيير سلوكها من السيء إلى الأحسن تحتاج إلى تكرار ذلك من واحد وعشرين مرةً إلى ستٍ وعشرين مرة، وذلك مع قوّة الإرادة الراغبة في التغيير، وحينها ستعتاد عليه.
وعليه يدخل الإنسان في صيام الشهر وعنده من السلوكيات الحسنة في تنظيم وقته واستغلاله والتي يسعى لتعزيزها، كما أنه يعاني من السلوكيات السيئة من إهمال الوقت وعدم استثماره والتي يرغب في إبدالها بالحسن الجميل، فرمضان فرصة كبيرة للتغيير، فيعالج ذاته، مع إرادة قوية، وعزيمة جبارة، فيجد نفسه قد استشرفت الخير، وصار الخلل في ذاته قبيحا، من هنا نجد الله تعالى شرع الشهر في أيام معدودة، وبفترة كافية للتغيير، فلا يشعر بالملل، وفي الوقت نفسه يخرج بفائدة كبيرة، فيكون رمضان دورة كبيرة للتغيير الحضاري في تنظيم الوقت على مستوى الفرد أم على مستوى المجتمع الإنساني إن أحسن التعامل معه.
الوقت بالنسبة للإنسان ذخيرة للتزود إلى الدار الآخرة كيف يكون ذلك؟
الحياة والاخرة صنوان، والأولى عمل للثانية، وقد جعل الله الدار الآخرة لمن وصفهم بقوله:(تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
والله أجمل من يكون سالماً في الاخرين:(إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا).
والعمل الصالح هو أي عمل يكسبه الإنسان من قول حسن، وقلب سليم، ويد منفقة، وابتسامة، وإزالة الأذى عن الطريق، والاتقان في العمل، وطلب العلم، والقراءة والبحث والاختراع، والتواضع للأهل، وتربية الأولاد، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجار والصديق وابن السبيل، وأي عمل حسن في المجتمع، ويظهر هذا من قوله تعالى:(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).
فأي عمل حسن تزرعه في الدنيا، ولا يقتصر في المسجد، بل في السوق والشارع ومكان العمل، تستثمره في الآخرة، وهذا مبني على حسن استثمار الوقت واستغلاله حسبما أسلفنا.
هل مصاحبة الناس يدخل في إضاعة الوقت اذا كانت هذه الصحبة فقط التسلية؟
الصحبة شيء طبيعي مع الإنسان، فالإنسان مدني بالطبع، ووجود الصاحب والإحسان إليه جعله الله تعالى من آثار التوحيد وعدم الشرك بالله تعالى حيث قال:(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا).
والتسلية من اللهو، واللهو ليس شراً بذاته، فهو طبيعي في الحياة بشرطين: الأول أن لا يكون محرماً محضاً، أو يقود إلى ممنوع بشكل واضح، مثال الأول جلسات القمار، ومثال الثاني الجلسات التي تنتهك فيها الأعراض من غيبة ونميمة وبهتان وإفك.
وأما الشرط الثاني فلا تضيع واجباً، ومثاله السهر إلى آخر الليل فيؤثر على العمل الواجب.
ومن اللهو التسلية، فالتسلية مع الأهل أو الأولاد أو الأصدقاء ليس بذاتها جرما، فهي مربوطين بالشرطين اللذين أشرنا إليهما، وعليه يعتمد الوقت المخطط في الشكل العام بين الأساسيات والثانويات.
وعلى العموم الصحبة في الأصل إعانة في الخير ومنها إعانة في تنظيم الوقت واستغلاله، وهذا ما أجمله الله تعالى في قوله:(لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).
في ختام هذا اللقاء الطيب ما هي الطرق التي ينبغي استثمارها في الوقت؟
هذا السؤال مبني على أربعة أسس، الأول التصور والإدراك، والثاني التخطيط والتوزيع، والثالث التطبيق والعمل، والرابع النقد والتقويم.
أما الأساس الأولى والثاني فتحدثنا عنهما آنفاً، أي أن تصورك للوقت وقيمته، يجعل منك أن تخطط التخطيط السليم، وهنا نشير إلى أهمية الكتابة في التخطيط، والجدولة في ذلك، واستخدام الوسائل المعاصرة كالهواتف والحواسيب، كالمذكرة والمنبه، فهي تساعد الإنسان على الاستذكار والمراجعة.
وأما التطبيق والعمل فهو مبني على التصور والإدراك، ثم التخطيط، وعليه يكون العمل، سواء على مستوى الفرد أو الأسرة أو المجتمع.
وليس بالشريطة أن يكون التطبيق حرفيا، فقد يستجد جديد، أو يحدث عارض للإنسان كسفر أو مرض أو وفاة قريب أو شبه ذلك، ولكن لا يعني إهمال الخطة البتة، ولكن على الأقل نسبة إنزالها وتطبيقها تكون مرتفعة.
وأخيراً يأتي النقد، ولهذا الخطة إما يومية أو أسبوعية أو شهرية، فالإنسان ينقد نفسه، ويراجع جدوله، ويعيد تقليب أوراقه.
وبما أننا في شهر رمضان، فرمضان فرصة لذلك في مراجعة الذات، وجدول العام، والتخطيط في استغلال الوقت.

إلى الأعلى