الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شذرات من هدي القرآن

شذرات من هدي القرآن

تكـريـم الله للإنسان (91)

الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد: فـلا زال الحـديث مـوصولا عـن الاتـقان في الصلاة، ومـن ذلـك:(مـن صلى صلاة لـوقـتها وأسبغ وضـوءها، وأتـم ركـوعـها وسجـودها وخـشـوعـها، عـرجـت وهـي بـيـضاء مسـفـرة، تـقـول:(حـفـظـك الله كما حـفـظـتـني)، ومـن صـلى صلاة لـغــير وقـتـها، ولم يسـبغ وضـوءها ولم يــتـم ركـوعـها ولا سـجـودهـا ولا خـشـوعهـا، عـرجـت وهي سـوداء مظـلمـة، تقـول:(ضـيعـك الله كما ضـيعـتـني)، حـتى إذا كانت حـيث شـاء الله، لـفــت كما يلـف الـثـوب الخـلـق فـيضـرب بها وجهـه.
وتحـقـيـق الإتقـان في العـبادة أمـر يحـتاج إلى مجهـود وتعــب، ولـذلـك قـيـل:(الإبقـاء عـلى العـمـل حتى يخـلـص أشـد العـمـل، والعـمـل الخالص الـذي لا تـريـد أن يحـمدك عـليه أحـد أن يكـون خـالصاً لله عـز وجـل، ولا تـرجـو الـثـواب إلا منـه سـبحانه وتعـالى، وحـد الإخـلاص بـذل الطـاقـة والـوسـع، ثـم لا يجـعــل لعـمله عـنـد الله قـدراً.
أي: ينبغـي أن يحـتـقـر عـمله بجـانب نعـم الله عـليه الـظـاهـرة والباطـنة، وحتى لا تحـدثـه نفـسه فـيغــتر بعـمله، فـيـوجـب بـه عـلى ربه مـكافـآت لعـمله، فـيـمـن بعـمله عـلى الله، وهـو يـعـلـم لـو أنه طـولـب بـوفاء حـق العــبـودية لـعـجـز عـن ذلك.
وأن أدنى مـقـام المخـلص في الـدنيا أن يـطـلب السـلامة مـن جـمـيع الآثـام، وفي الآخـرة الفـوز بالجـنة والنجـاة مـن الـنـار، قال الله تعـالى:(.. فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عـمـران ـ 185).
والإتـقان قـد يأتي في الـعـبادات وفي الـمعـامـلات وفي مـواطـن أخـرى، كإسـباغ الـوضـوء أي: جـعـله تامـاً كـاملاً عـلى أحسن وجـوهـه، قال أبـو هـريـرة ـ رضي الله عـنه:(من تـوضـأ فأحسن وضـوءه، ثـم خـرج عـامـداً إلى الصلاة، فإنه في صـلاة ما كان يعـمـد إلى الصـلاة).
والإتـقان في الصلاة هـو اسـتيـفاء أركانها، وفـرائـضها وشـروطها وما يتـعـلـق بها، وقــد يعـبر عـن ذلك بالاطـمئـنان أو الخـشـوع، وقـد نص الفـقهاء عـلى أن الطـمأنينـة مـن فـرائض الصلاة، واسـتـد لـوا عـلى ذلـك بـقـول الرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) عـن الـرفـع مـن السجـود، ثـم ارفـع حتى تطـمـئن جالساً).
وكما قـد جـاء في الأثـر يـقال: إن أول ما ينـظـر مـن أعـمال الـمـرء الصـلاة، فـإن وجـدت تامـة قـبلـت وقـبـل سـائر عـمله، وإن وجـدت نـاقـصة ردت ورد سـائر عـمله.
والإتـقـان مـطـلـوب في جـميـع العـبادات، وعـماد الإتـقـان في العـبادة هـو أداؤها خالـصة مخـلصة لـوجـه الله تعـالى قال تعالى:(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكـهـف ـ 110).
والإقـبال عـليها بهـمة وعـزيمـة والاشـتغـال بها وقــت أدائها عـما سـواها، وقـد جـاء عـن الإمام عـلي بن أبي طـالب ـ كـرّم الله وجهه ـ أنه كان يـقـول:(طـوبى لمن أخـلص لله الـعـبادة والـدعاء، ولم يشغـل قـلـبه بما تـراه عـيناه، ولم يـنس ذكـر الله بما تسـمـع أذناه، ولم يحـزن صـدره بما أعـطي غـيره مـن الـمال والأهـل والـولـد).
وجـزاء الإتـقـان والإحـسان عـنـد الله عـظـيـم وجـليـل، ولـذلك قال أحـد العـلـماء: إذا أحسـن الـمـؤمـن عـمله، ضـاعـف الله عـمله بـكل حـسنة عـشـر حـسـنات إلى سـبعـمائة ضـعــف، فأحـسـنـوا أعـمالـكـم التي تقـصـدون بها وجـه الله، لـتـنـالـوا بها الـثـواب مـن الله، فالـشـرط في العـمـل أن يـكـون نقـيا مـن الـدنـس، خـالـياً مـن الــريـاء خـالصاً لـوجـه الله الـكـريـم.
ومـن الإتـقـان في المعـامـلات، إتـقــان الصانع صـنعـته المطـلـوبة منه لأنها أمانة والأمـانة واجـبة الأداء، ويـدخـل ذلـك في عــمـوم قـول الله تعـالى:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا ..) (النساء ـ 58)، ويـدخـل في عـمـوم قـول الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم):(كلـكـم راعٍ وكل راع مسـؤول عـن رعـيته).
ويقـول الإمام الغـزالي: لا ينبغـي أن يتـهـاون الصانع بعـمله عـلى غـير وجهـه، بحـيث لـو عـامله به غــيره لـما ارتضـاه لنفـسه، بـل ينبغي أن يحـسن صـنعـته ويحـكـمها ويبين عـيبها إن كان فـيها عـيب، والـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) يـقـول:(لا يـؤمـن أحـدكـم حتى يحـب لأخـيه ما يحـبه لنفـسه).
وروى البخـاري وأحـمد عـن أبي هـريـرة ـ رضي الله عـنه ـ أن رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) قال:(يـقـول الله عـز وجـل: ثـلاثة أنا خـصـمهـم يـوم القـيامـة، ومـن كـنت خـصمه خـصمـته: رجـل أعـطى بيميـنه ثـم غـدر، ورجـل باع حـراً وأكـل ثـمـنه ، ورجـل اسـتأجـر أجـيراً فاسـتـوفى مـنه ولـم يـوفـه أجـره).
فـهـذا الحـديـث يـدل جـزءه الأخـير عـلى التـوجـيه إلى أمـرين أولهـما: إتـقــان الأجـير لعـمـله حتى يـقـدمه لصاحبـه تاماً كامـلاً، وثانيهـما: أن يعـطي صاحـب العـمل الأجـير أجـره كامـلا ً وعـاجـلاً، قال رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم):(اعـط الأجـير أجـره قـبـل أن يجـف عـرقـه)، فـلا بــد أن يـكـون العـمـل قـد أعـرقـه بسـبـب الجـهـد الـذي بـذله فالجـهـد مـضاعـف، وسـرعة الـمـبادرة في إعـطـائه حـقـه، هـو الحـق الـذي لا مـرية فـيه.
الإتـقـان في البـيع والشـراء:
والإتـقـان مطـلـوب وواجـب شـرعـاً وعـرفاً، في الـكـيـل والـميـزان، ويتحـقـق هـذا الإتـقـان بضـبـط الـمـقـدار الـمكـيـل والـمـوزون عـنـد الأخـذ والإعـطـاء أي عـنـد البـيـع والشـراء، فـلا يجـوز للإنسان أن يـزيـد عـن حـد الكـيـل والـميـزان حـين يأخـذ لـنفـسه، وأن ينـقـص عـن الحـد فـيهـما أو في أحـدهـما حـين يعـطـي غـيره.
والقـرآن الكـريـم يـقـول:( وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَلِيَوْمٍ عَظِيم، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (المطففين 1 ـ 6)، ويقـول تعالى أيضـاً:( وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) (الـرحمن 7 ـ 9).
والإتـقـان مطـلـوب وواجـب شـرعـاً في الـولاية عـلى مال اليتـيـم ومال الـوقـف، روى البخاري في صحـيحه حـديثاً عـن رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) أنه قال:(إذا ضـيعـت الأمانة فانـتـظـروا الساعة)، قـيـل: يا رسـول الله وما اضـاعـتها؟ قال:(إذا وسـد الأمـر إلى غـير أهـله فانتـظـروا الساعـة).
الإتقـان في قـراءة القـرآن:
والإتـقـان مـطـلـوب وواجـب شــرعـاً في قــراءة القـرآن الكـريـم، ويعــبر عـن الإتقـان هـنا بالـترتـيـل، لأن الـترتـيـل هـو الـتـنضـيـد والتنسيـق وحـسن النـظام، وفي الـترتـيـل أيـضا معـنى الإتـقـان والإحـسان، ولـذلك روي أن عـلقـمـة سـمـع رجـلاً يـقـرأ قـراءة حـسنة متـقـنة، فـقال عـنه: لـقـد رتـل القـرآن فــداه أبي وأمي، وقـد جـاء في القـرآن العـظـيـم قـوله سـبحانه وتعـالى:(.. وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) (الـمـزمـل ـ 4).
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى