الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الأساليب اللغوية في القرآن الكريم ودلالاتها وطرق استعمالاتها (7)

الأساليب اللغوية في القرآن الكريم ودلالاتها وطرق استعمالاتها (7)

أسلوب الاستفهام (1 ـ 4)

تمتاز أساليب اللغة، وخصوصا تلك التي وردت في القرآن الكريم، بأنها تلبي كلَّ ما في نفس المتكلم، وتبرز دواخله، وتظهر أحاسيسه في أدق تصوراتها ومعانيها، وتلبي طلباتِه، وتنقل مشاعره مهما كانت، بحيث يشعر المرء بأنه يمتلك كل ما يمكن من خلاله نقلَ كلِّ ما بداخله، وبالطريقة التي يحبها، ويرضاها، حتى لو كان التعبير إشارة أو تعجباً أو استفهاماً أو استفهاماً تعجبياً.
وفي هذه السطور نتناول أسلوب الاستفهام الذي اتسعت عباراته، وكثرت بين طيات الكتاب العزيز، وشمل الاستفهامَ الحقيقيَّ، والاستفهام المجازي، والاستفهام المنفي، والاستفهام الموجب، وما خرج فيه الاستفهام عن معانيه الأولي، واتخذ طريق الاستفهام السياقي الذي يخرج إلى النفي أو التعجب أو الانبهار أو التعجيز، أو التحسر، وغيره مما عرض له الكتاب الكريم، وسنتناوله وفق هذا التصور المحدد في: مفهوم أسلوب الاستفهام، أدوات الاستفهام بين الحرفية والاسمية، مواضع استعمال أدوات الاستفهام، الاستفهام المثبت والاستفهام المنفي وكيفية الجواب في الحالتين، الاستفهام بـ(الهمزة والاستفهام بهل)، كيف يعرب أسلوب الاستفهام؟.
فمفهوم الاستفهام: هو الاستفسار من الشخص عن شيء ما سواء أكان ذلك الشيء ذاتًا أم عددًا أم زمانًا أم مكانًا أم حالاً من أحواله، فمثلاً نقول: من حضر هذه الساعة ؟نستفهم عن الحاضر، وهو الشخص، ونحو: كم جنيها معك؟ نستفهم عن العدد، ونحو: متى نصر الله؟ نستفهم عن الزمان، ونحو: أين ألقاك؟ نستفهم عن المكان، ونحو: كيف حالك وحال أسرتك؟ نستفهم عن الحال، وهذا الاستفسار يتطلب جوابًا، فنقول مثلاً إجابة عن الأسئلة المتقدمة على الترتيب:(محمد ـ مائة ـ قريب ـ في المسجد ـ بخير والحمد لله).
وأما عن أدوات الاستفهام: فتنقسم بحسب ما يسأل عنه كالآتي:
1) أدوات يسأل بها عن المفرد: وهي:(مَنْ ـ ما ـ متى ـ أين ـ كم ـ كيف ـ أي)، وأمثلة ذلك كالآتي:
أ) مَنْ: ويسأل بها عن العاقل مذكراً ومؤنثاً، مفرداً وجمعاً ومثنى .. إلخ، في الأعم الأغلب. نقول: من آخر الخلفاء الراشدين؟ فنجيب: علي ـ كرّم الله وجهه ـ آخر الخلفاء الراشدين، ونحو: من ذا الذي ينبت من الحبة الثمرة؟ فيكون الجواب: الله تعالى. وكقولك: من الذي يسمى خامس الخلفاء الراشدين؟ فالجواب: هو عمر بن عبد العزيز.
وهنا تنشأ بعض التساؤلات عن: إعراب (منْ ذا – منْ ذا الذي – منْ الذي): من ذا حضر؟ وإعرابها كالآتي، منْ: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ذا : اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر، حضر: جملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، وجملة (منْ ذا حضر) استفهامية لا محل لها من الإعراب.
ونحو قولك: منْ ذا الذي حضر؟ فمنْ: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبر.
الذي: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة للخبر، وجملة (حضر) صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
وفي مثل: منْ ذا تكلم؟ يكون إعرابها كالآتي: منْ ذا: اسم استفهام مبني في محل رفع مبتدأ، وذا: اسم موصول في محل رفع خبر، وجملة (تكلم) من الفعل والفاعل لا محل لها من الإعراب صلة الموصول (ذا).
ولعل وضع ملخص لإعراب (منْ) رفعاً ونصباً وجرّاً يكون فيه بعض الفوائد للشادين في عالم الإعراب، فلنلاحظ الآتي:
1 ـ تكون (منْ) في محل رفع إذا ورد بعدها مفرد، أو فعل لازم، أو متعد أخذ مفعوله، أو شبه جملة، وأمثلة ذلك على الترتيب: منْ والدك؟ منْ رغبت فيه؟ منْ خرج؟ منْ مات؟ منْ رأيته أمس؟ منْ كلمته في هذا الأمر؟ منْ سيرافقنا في الرحلة؟ منْ في الدار؟ فـ(منْ) في كل هذه الأمثلة السابقة تعرب مبتدأ، واجب الصدارة لأنها من ألفاظ الاستفهام.
2ـ وتكون (مَنْ) في محل نصب إذا ورد بعدها فعل متعد لم ينصب مفعوله.
ومن أمثلة ذلك: منْ كرمت؟ منْ أجبت؟ منْ رأيت؟ فـ (منْ) تعرب في كل هذه الأمثلة السابقة مفعولا به، واجب الصدارة لأنه من ألفاظ الاستفهام.
3ـ وتكون (مَنْ) في محل جر إذا سبقت بمن الجارة أو بمضاف إليه.
ومن أمثلة ذلك: ممنْ أخذت الكتاب؟ مِن مَنْ اقترضت هذا المبلغ؟ كتابُ منْ هذا؟ كراسةُ منْ هذه؟ فـ (منْ) في كل هذه الأمثلة السابقة في محل جر بالحرف أو بالإضافة.
ب) ما: ويستفهم بها عن غير العاقل في الأعم الأغلب، ومثال ذلك: ما أحب شيء إلى نفس المؤمن؟ ما أهم موارد بلدك؟ ما اشتريت؟ ما اشتريته؟ ماذا عملت اليوم؟ ماذا عملت اليوم؟.
وتنشأ هنا تساؤلات عن إعراب (ما) إعراب (منْ) رفعاً ونصباً وجراً.
ففي قولنا: ما أهم موارد ..؟، وفي نحو: ما اشتريتَه؟ تعرب (ما) مبتدأ، اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، و(أهم) بعده تعرب خبراً.
وفي نحو: ما اشتريت؟ تعرب (ما) مفعولا به مقدما للفعل اشتريت.
ولابد أن نتنبه في هذا السياق إلى أنه إذا دخل حرف الجر على (ما) الاستفهامية حذفت ألفها وجوباً، ومثال ذلك: قول الله تعالى:(عفا الله عنك لم أذنت لهم)، فالأصل (لمَا): اللام حرف جر، و(ما) اسم استفهام مبني على السكون على الألف المحذوفة لتقدم حرف الجر في محل جر.
ومثال ثانٍ: وقال:(عم يتساءلون)؟ فالأصل (عن ما)، حدث إدغام بغنة للنون فصارت (عما)، ثم حذفت الألف لتقدم حرف الجر، وتعرب (عم) هكذا: عن: حرف جر مبني على السكون على النون المدغمة في (ما) الاستفهامية، و(ما): الاستفهامية اسم مبني على السكون على الألف المحذوفة لتقدم حرف الجر في محل جر، وشبه الجملة متعلق بالفعل “يتساءلون) .. للموضوع بقية.

د/ جمال عبد العزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة ـ جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى