الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الصوم والتقوى

الصوم والتقوى

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة ـ 183)، ولهذا قال:(وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) من اللباس الحسي، فإن لباس التقوى يستمر مع العبد، ولا يبلى ولا يبيد، وهو جمال القلب والروح ولئن كان الصيام يؤدي إلى التقوى والقرآن الكريم يأمر بالتقوى فإن الإنسان بصيامه الحق الذي يبتغي به رضا الله تعالى وبلوغ درجة التقوى، وحرمات الشهر وحقوق الله الواجبة عليه يضطلع بأمانة التقوى ويقوم بتكاليف القرآن حق قيام ذلك لأن الصيام تدريب للإنسان على الخير ونهيه عن الشر، إذ هو ليس مجرد الكف عن الأكل والشرب ومواقعة النساء، فحسب بل هو بجانب ذلك ضبط للنفس وقيد الجوارح عن معاصيها ، وهي ضمن قوله (صلى الله عليه وسلم):(احفظ الله يحفظك).
البر كل البر في التقوى لقوله تعالى:(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (البقرة ـ 189)، ومن منا لا يرغب في معية الله والتي لا تكون إلا بتقوى الله فعلى الصائم أن يتقي الله أينما كان (لشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة ـ 194)، والصيام يصل هذه النفوس ببارئها فإن فيه صقلاً للنفس البشرية عن شهواتها ولذاتها، وفي ذلك تقوية للضمير والإرادة على هذه الشهوات والرغبات كما أن فيه تذكير لهذا الإنسان بأحوال البؤساء والمساكين فترق أحاسيسه ومشاعره تجاههم ويفيض عليهم مما أته الله سبحانه وتعالى من خير.
للصوم خصوصية عما سواه من العبادات وذلك أن حقيقته من العبد يعلمها الله سبحانه ولهذا قال (صلى الله عليه وسلم) في الحديث القدسي:(الصوم لي وأنا أجازي به الجنة) مع أن كل العبادات لله ثم أن حكمته أنه مذهب للأسقام ويعطي العقل صفاء والباطن نوراً والجسم نشاطاً للعبادة وتعويد النفس على الجوع لتحمل مشاق الحياة وتعطف على الفقراء وتكون رحيمة للبؤساء مجاهدة وهو زكاة للجسم وتخصيصه بشهر رمضان لإحياء ذكرى نزول القرآن هدى للناس وبينات (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة ـ 42).
يخبر تعالى بما منَّ به على عباده، بأنه فرض عليهم الصيام، كما فرضه على الأمم السابقة، لأنه من الشرائع والأوامر التي هي مصلحة للخلق في كل زمان ومكان.
وفيه تنشيط لهذه الأمة، بأنه ينبغي لكم أن تنافسوا غيركم في تكميل الأعمال، والمسارعة إلى صالح الخصال، وأنه ليس من الأمور الثقيلة، التي اختصيتم بها،ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعية الصيام فقال:(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى، لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه
فمما اشتمل عليه من التقوى: أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها، التي تميل إليها نفسه، متقربا بذلك إلى الله، راجياً بتركها، ثوابه، فهذا من التقوى.
ومنها: أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى، فيترك ما تهوى نفسه، مع قدرته عليه، لعلمه باطلاع الله عليه، ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الشيطان، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فبالصيام، يضعف نفوذه، وتقل منه المعاصي، ومنها: أن الصائم في الغالب، تكثر طاعته، والطاعات من خصال التقوى، ومنها: أن الغني إذا ذاق ألم الجوع، أوجب له ذلك، مواساة الفقراء المعدمين، وهذا من خصال التقوى.

موسى بن قسور العامري

إلى الأعلى