الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: مخاوف الغرب من أخطار صنعها بذاته؟

رأي الوطن: مخاوف الغرب من أخطار صنعها بذاته؟

يرسم الغرب صورة قاتمة حول الوضع الأمني في المستقبلين القريب والبعيد من مخاطر عودة أجيال عاشت في كنف التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيم «داعش»، وترعرعت في معسكراتها وأُرْضِعَتْ من الأفكار الشاذة والمتطرفة، وشُكِّلَ تكوينها الفكري على الكراهية والحقد والإلغاء والإقصاء والتكفير، حيث هناك أعداد كبيرة من الأطفال الذين يجري تدريبهم على الإرهاب وجرائم القتل والعنف في معسكرات تابعة لهذه التنظيمات الإرهابية.

ففي فرنسا وخلال جلسة استماع في البرلمان الفرنسي في الآونة الأخيرة، قال مدير الإدارة العامة للأمن الداخلي باتريك كالفار إن «الثلثين ذهبوا مع الوالدين، والثلث المتبقي هو من الأطفال الذين ولدوا هناك (أي في المنطقة)، وبالتالي فإن أعمارهم تقل عن أربع سنوات»، مضيفًا «يمكنكم أن تتخيلوا حجم المشاكل القانونية التي تطرحها عودتهم مع والديهم، إذا رجعوا، من دون أخذ المشاكل الأمنية الفعلية في الاعتبار؛ لأن هؤلاء الاطفال، يتم تدريبهم والتلاعب بهم من قبل «داعش». ويظهر شريط فيديو بث مؤخرًا أنهم يرتدون زيًّا عسكريًّا».
ومما لاشك في أن هذه المخاوف الغربية حقيقية ومبررة.. ولكن اليست الوقائع والشواهد والبراهين تؤكد وتثبت أن الغرب بقيادة الولايات المتحدة وأجهزة استخباراته وشركاته الاحتكارية الاستعمارية الجشعة، وسعيه لتأمين بقاء خنجر الاحتلال الإسرائيلي مغروزًا في خاصرة الوطن العربي، هو المسؤول عن هذا الخطر وعن الفوضى الإرهابية الهدامة التي تعصف بالمنطقة والعالم منذ ما يزيد على خمس سنوات، بل إن الجديد في هذه السياسة الغربية ـ الأميركية الجديدة هو المجاهرة بالعلاقة العضوية مع الإرهاب وتنظيماته، ومحاولة إضفاء الشرعية عليها وعلى جرائمها المخالفة للقانون الدولي وللشرائع السماوية، بل لجأت إلى حبك مسرحية هزلية وهزيلة لكي تتلطى خلفها وذلك بتقسيم هذا الإرهاب إلى «معتدل» و»غير معتدل/ متطرف»، في انحدار أخلاقي وانحطاط قيمي، واستخفاف بالعقول وضحك على الذقون.
والسؤال الآخر الذي يفرض نفسه هو: من المسؤول عن النيران الملتهبة في المنطقة، وعن هذا الكم الهائل من التدمير والتقسيم والترويج للفيدراليات والطائفية والعرقية والمذهبية؟ إن الأصابع الغربية والأميركية بقفازها الحديدي المتمثل في الاستخبارات والشركات الجشعة هي من فعلت هذا الدمار الهائل وتقود التنظيمات الإرهابية وتوجهها، وهي التي تؤجج الأوضاع في المنطقة وتشعل الحرائق فيها، في سوريا والعراق وليبيا وغيرها. إن الحقيقة التي لا يريد أن يعترف بها المسؤولون الأميركيون والأوروبيون ولا يريدون أن تعرفها شعوبهم هي أن سياساتهم هي التي تمثل خطرًا داهمًا على أمن بلدانهم ومصدر قلق فيها، بل هي الأخطر عليها من الإرهاب الذي أنتجوه ورعوه.
ولمواجهة خطر عودة الأطفال الذين تشربوا بأفكار «داعش» وهضموا أساليب إرهابه ووحشيته، يتحدث علماء علم النفس السلوكي والطب والباحثون في هذا المجال عن أهمية الاهتمام بهؤلاء الأطفال حين عودتهم المثيرة للقلق بإنشاء مراكز وشبكات وأسر حاضنة، مستندين إلى سوابق ناجحة «مثل رواندا والهاربين من مختلف الحروب، والشبيبة الهتلرية، فقد لامست دعايتهم جيلًا بأكمله لكن تم الاعتناء بهم من خلال إزالة تأثير النازية عنهم». إلا أن هذا الاستعداد لا يعفي أوروبا والولايات المتحدة من المسؤولية في تدمير هذه الأجيال من أبناء العرب والمسلمين وتحويلهم إلى أجساد منزوعة العقل والتفكير ومسلوبة الإرادة أشبه بآلات دمار وأسلحة قتل تديرها أجهزة الاستخبارات الأميركية واستخبارات القارة العجوز من أجل تحقيق الأهداف والأجندة لكل من أوروبا وأميركا. وانتهاء القلق وتلاشي الخطر ومظاهره يبدآن من تخلي واشنطن وأوروبا عن تبني الإرهاب وتنظيماته، وتخليهما عن دعمه، وفك العلاقة القائمة بينهما. فالإرهاب لا دين ولا هوية له، يضرب دون سابق إنذار ولا موعد، ومن يربِّ الأفاعي عليه تحمل لدغاتها. فطابخ السم آكله حتمًا يومًا ما.

إلى الأعلى