الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / نظرات وتأملات في سورة القدر

نظرات وتأملات في سورة القدر

(الحلقة التاسعة)
يقول الحق سبحانه وتعالى:(إِنَّا أَنَزلنَاهُ فىِ لَيلَةِ القَدرِ) النون هنا نون العظمة والقدرة وهى تدل على كمال العناية الإلهية بالقرآن الكريم وجاء الضمير (أنزلناه) ولم يقل أنزلنا القرآن وفى ذلك شهادة له بالنباهة والإستغناء عن التنبيه عليه وتنويه بشأن القرآن الكريم وإجلاله لمحله وجاء الضمير بدل الإسم الصريح يشير إلى أن القرآن حاضر في جميع الأذهان ومعنى(أَنَزلنَاهُ فىِ لَيلَةِ القَدرِ) أن الله أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا وكان ذلك في ليلة القدر كما تشير الآية الكريمة إلى ذلك في سورة الدخان:(إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيلَةُ القَدرِ) وأى شيء أعلمك يامحمد ما شان ليلة القدر إنها ليلة العطاء ليلة الغفران ليلة مضاعفة الأجور والأعمال ليلة اتصال أهل الأرض بأهل السماء ليلة الإشراقات النورانية والتسبيحات العليا إنها ليلة السلام والأمان (لَيلَةُ القَدرِ خَيٌر منْ ألَفِ شَهْرٍ).
وسبب نزول هذه الآية الكريمة أن رجلاً من بنى إسرائيل حمل السلاح ألف شهر فتعجب الصحابة من ذلك وتقاصرت أعمار أمة الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) فأعطاهم الله هذه الليلة تعادل مدة ذلك الغازى وهى منحه ربانية لأمة الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم) وليست لغيرهم (تَنًزلُ المــَلائِكَةُ والرُّوحُ مِنها بِإِذْنِ رَبِهّم مّنِ كُلّ أَمرِ) تنزل بصيغة المضارع الذي يفيد الإستمرار في النزول فإذا كانت ليلة القدر يأمر الله سيدنا جبريل فينزل في كوكبة من الملائكة إلى الأرض ويسلمون على كل قائم وساجد وذاكر لله في هذه الليلة حتى مطلع الفجر فينادى سيدنا جبريل الملائكة الرحيل الرحيل فتقول الملائكة ماذا صنع الله في حوائج المسلمون فيقول سيدنا جبريل إن الله غفر لهم وعفا عنهم إلا أربعة فتقول الملائكة ومن هم يا جبريل فيقول: مدمن خمر والعاق لوالديه وقاطع رحمة والمشاحن قيل وما المشاحن؟ قال: الذي يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، وذِكر سيدنا جبريل وهو الروح بعد الملائكة وهو من الملائكة هذا من عطف الخاص على العام لمزيد الإهتمام به.
والعلماء اختلفوا في تحديد ليلة القدر متى تكون من الشهر فمن العلماء من يقول أنها في العشر الأواخر من رمضان ومنهم من يقول في الليالي الوترية يعنى الحادي والعشرين والثالث والعشرين والخامس والسابع والتاسع والعشرين ومنهم من قال أنها في ليلة السابع والعشرين وحاولوا الإستدال على ما يقولون بدليل عقلى وأخر نقلى أما الأول فقالوا إن لفظ (ليلة القدر) ورد في السورة ثلاثة مرات ومجموع عدد هاتين الكلمتين تسعة حروف فإذا ضربت في ثلاث تعطى لنا هذا الرقم وهو سبعه وعشرين وقالوا أنهم عدوا كلمات السورة فقالوا أن كلمة هي في السورة الكلمة سبعه وعشرين،
وأما الدليل النقلى عن سيدنا عبدالله بن عمر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال من كان متحرياً ليلة القدر فليتحرها ليلة السابع والعشرين وقال أُبي بن كعب والله الذي لا إله إلا هو إنها لفى رمضان إنها الليلة التي أمرنا الله بصيام نهارها وقيام ليلها إنها ليلة السابع والعشرين ومن أماراتها أن الشمس تكون بيضاء لاشعاع فيها ولكن نقول أن الله عزوجل أخفى معياد ليلة القدر حتى يجتهد المسلم في جميع ليالي رمضان وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أخذ معاد مع ربه أن يحدد له موعد ليلة القدر ولكن حدث أن اثنان من الصحابة تخاصما فذهب ليصلح رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بينهم ونسى موعد الذي كان حدد له المولى سبحانه وتعالى فقال (صلى الله عليه وسلم) رفعت وعسى أن يكون خيراً لكم والمقصود رفع التحديد وليس الفضل وتقول السيدة عائشة لرسول (صلى الله عليه وسلم) إذا ادركت ليلة القدر ماذا أقول فيها فقال لها (صلى الله عليه وسلم) قولى: اللهم إنك عفو تحب العفو فعفوا عني وهناك بعض الناس يتحدثون أن ليلة القدر تنزل في طباق من نور وينزل فيها الذهب والفضة هذا كله كلام باطل ولا أصل له من الشرع ولا يدل عليه واقعة حدثُت مع الصحابة ولكن الفضل الذي يلتمسه المؤمن في هذه الليلة فضل معنوي لا يعدله ذهب الكون كله .. هذا والله تعالى أعلم.

حامد مرسي
إمام مسجد بني تميم بعبري

إلى الأعلى