الأربعاء 25 يناير 2017 م - ٢٦ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سر السعادة (2)

سر السعادة (2)

وضعت بعض الجهات العالمية سُلَّمًا أسمته سُلَّم السعادة بين الشعوب، أرادت من خلاله معرفة أي شعوب الأرض أسعد، وحددت درجات لهذا السلم، ثم قامت باستقراءات مختلفة لخمس وستين دولة من دول العالم الغنية والفقيرة المتقدمة والمتخلفة، فكانت النتيجة مفاجأة للجميع، إذ أظهرت نتائج الاستقراء أن شعوب الدولة الغنية والمتقدمة والتي تعيش في رفاهية هي أكثر الناس شقاوة؛ بؤسًا وتعاسةً وضيقًا وشقاءً، وفي مقدمتها دولة عظمى، بينما شعوب الدول الفقيرة والمتخلفة هي أكثر الناس سعادة؛ طمأنينة وراحة، وعلى رأس هذه الدول دولة إسلامية شعبها أسعد شعوب العالم بالرغم من الفقر المدقع الذي يعاني منه هذا الشعب. والسؤال: لماذا يشعر المسلمون بالسعادة رغم فقرهم وتخلفهم؟! ولماذا يشعر غيرهم بالشقاوة رغم سعة عيشهم وتقدمهم؟!.
لا إجابة على السؤال إلا ما قاله الله تعالى:)مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ( (النحل ـ 97)، وكذلك ما قاله تعالى:(فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) (طه 123 ـ 124).
ليست هناك نعمة من نعم الدنيا يستمتع بها الإنسان وينعم بها أعظم من أن يشرح الله صدره للإسلام، ويغمر قلبه بالإيمان فيهتدي بنوره حتى يبصر حقائق الدنيا والأخرة فيميّز الحق من الباطل، ويميز الصواب من الخطأ، ويميز الخير من الشر، ويميز الفضيلة من الرذيلة، ويميز طريق السعادة من طريق الشّقاء، فالإسلام دين الإنسانية المكرمة؛ ففي الإسلام يجد الإنسان ذاته كما هي، وفي الإسلام يجد الإنسان إنسانيته كما هي، وفي الإسلام يجد الإنسان حقيقته كما هي؛ عندئذ تغمره السعادة.
لقد كرم الإسلام الإنسان، وحافظ على مصالحه العليا، ومقاصده الكبرى، والتي تعُرف بالكليات الخمس وهي؛ النفس والعقل والمال والنسل والدين، فالسعادة في المنظور الإسلامي تنقسم إلى قسمين؛ سعادة دنيوية، وسعادة أخروية، فالسعادة الدنيوية مهما بلغت فهي ناقصة، ومهما طالت فهي محدودة؛ ففي الدنيا فقر ومرض وخوف وحزن وضعف وعجز وموت، أما السعادة الأخروية فهي سعادة أبدية كاملة غير ناقصة ولا محدودة؛ لا يكدر صفوها مكدر، ولا ينغص عيشها منغص، فالإسلام شرع من الأحكام والتعاليم والضوابط ما يكفل سعادة الإنسان في الدارين، يقول الله تعالى:(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل ـ 97)، ويقول تعالى:(لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَـٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللَّـهُ الْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل 30 ـ 32)، ويقول تعالى:(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَـٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّـهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر ـ 10).
والسؤال: ما سر السعادة؟
سر السعادة في الجمع بين الدين الخالص والعمل الصالح، فبهما تسعد الحياة وتصفو، وبهما يصلح الحال ويطيب، وبهما يتسع العيش ويهنأ، وبهما تزكو النفس وتسمو، وبهما يستقيم أمر الدنيا والآخرة.
سر السعادة في حب الله تعالى وحب نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم)، وحبهما إنما يتحقق بطاعتهما الطاعة المطلقة، فمن يكن مع الله يكن الله معه، ومن يكن مع النبي (صلى الله عليه وسلم) فهو من الناجين حقًا وصدقًا، ومن الفائزين جزمًا وقطعًا.
سر السعادة في محبة الناس بمعاملتهم المعاملة الحسنة الكريمة اللائقة بالآدمية المكرمة، والإنسانية الحسنى، يقول الله تعالى:(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء ـ 70)، ويقول تعالى:(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين ـ 4).
يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه: لقاء الإخوان جلاء الأحزان، ويقال: الإنسان بإخوانه كل شيء، وبدون إخوانه لا شيء.
سر السعادة في الصلاة، فبالصلاة يطمئن القلب، وتهدأ النفس، وتروق الحياة، فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(وجعلت قرة عيني في الصلاة) ـ رواه النسائي والبيهقي والطبراني وغيرهم، وعن حذيفة ـ رضي الله عنه ـ قال: (كان رسول الله “صلى الله عليه وسلم” إذا حزبه أمر صلى) ـ رواه أبو داود وأحمد، ويقول ـ عليه الصلاة والسلام:(قم يا بلال فأرحنا بالصلاة) رواه أبو داود وأحمد .. للحديث بقية.

يوسف بن ابراهيم السرحني

إلى الأعلى