السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من صفات المتقين .. إقامة الصلاة

من صفات المتقين .. إقامة الصلاة

إعداد ـ محمد عبد الظاهر عبيدو
أيها القراء الأعزاء: في مقال الأمس ذكرت لكم اعزائي القراء .. أن من صفات المتقين إقامة الصلاة وفصلت الحديث عن ذلك واليوم أذكر لكم ما هي ثمرات إقامة الصلاة والمواظبة عليها في أوقاتها وفوائدها.
أما ثمرة الصلاة وفوائدها فهي قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح فهي بها الحياة والغذاء، والدواء والنور، والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم.
فالصلاة أوجبها الله تعالى بهذه الصفة المعروفة في نصوص الكتاب والسنة، محققة لجملة من مصالح العباد الدنيوية والأخروية.
وبتأمل الإنسان للصلاة وأحكامها يرى مدى عظمة نفعها للناس في هذه الدنيا، ومن ذلك
أولا: تحقيقها لصحة النفس وسعادتها، وذلك من وجوه :
الوجه الأول :تحقيق الحكمة الكبرى من خلق العباد في هذه الحياة الدنيا، وإنزال الكتب، وإرسال الرسل: وهي تحقيق العبادة الخالصة لله ـ جل جلاله، وشعور العبد أنه مرتبط ـ دائماً ـ وفي كل أوقاته إلى هذه العروة الوثقى، وأنه: ما ذهب في مذهب، وراح مراحاً، إلا وهو عائد إلى ربه، مقبل عليه.
قال الله تعالى:(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات 56 ـ 58)، وقال تعالى:(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (البينة ـ 5)، وقال تعالى:(قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام 162 ـ 163).
والوجه الثاني: من المعلوم من نصوص الشرع، ومن واقع حياة الناس أن أصح الناس نفسا وأعدلهم مزاجا وأكثرهم سعادة هم الأتقياء الصالحون، قال الله تعالى:(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل ـ 97)، وقال الله تعالى:(اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت ـ 45).
والوجه الثالث: هذه الحياة لا تخلو من الهموم والأحزان، ولابدّ للإنسان للخروج من ضغوطها أن يكون عنده من يشكو له همه وأحزانه، والمسلم إنما يشكو همه وحزنه إلى الله تعالى، كما حكى الله تعالى قول يعقوب ـ عليه السلام:(قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تعلمون) (يوسف ـ 86).
فالصلاة تعين المسلم على إزاحة هموم الدنيا وأحزانها، قال الله تعالى:(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) (البقرة ـ 45).
قال ابن كثير: يقول تعالى آمراً عبيده، فيما يؤملون من خير الدنيا والآخرة، بالاستعانة بالصبر والصلاة .. وأما قوله:(وَالصَّلَاةِ) فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر .
عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه نعي إليه أخوه قُثَم وهو في سفر، فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول:(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ).
وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا جاءه ما يهمه فزع إلى الصلاة، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ:(كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ، صَلَّى) ـ رواه أبوداود، فالحاصل من كل ما مضى أن الصلاة تساهم في تقويم نفس المسلم واعتدال مزاجها، قال الله تعالى:(إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) (المعارج 19 – 23).
والوجه الرابع، وهي فوائد تبعية، وليست مقصودة بالقصد الأصلي للعبادة أن كثيراً من الفوائد والمصالح الجسدية والبدنية: تعود على العبد، بما يحافظ عليه من الصلاة في مواقيتها الصلاة لا تتم إلا بشرط الوضوء، وطهارة الجسد والثياب وبقعة الصلاة من النجاسات، ويندب للمصلي استعمال السواك، وأن يستعمل أحسن ثيابه، وأن يغتسل ويتطيب لصلاة الجمعة، كما يجب عليه الاغتسال للصلاة إذا أصابته جنابة.
وهذه الأعمال أنفع وقاية للإنسان من الأمراض، والحكمة الطبية تقول: الوقاية خير من العلاج .
والصلاة منشطة للجسم مذهبة للخمول خاصة إذا كان المصلي كثير النوافل وكثير المشي إلى المساجد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ:(يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاَثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ على كُلَّ عُقْدَةٍ:عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ. فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ) ـ رواه البخاري ومسلم.
ومن ذلك أيضاً: الفوائد الاجتماعية :فللصلاة فائدة هامة وعظيمة للمجتمع المسلم وذلك من خلال الصلاة جماعة في المساجد، والتعارف والتقارب بين الناس في مثل تلك الأماكن الفاضلة، وتوحد القلوب على العبادة، واستقامتها في صف واحد، من غير تفريق بين كبير ولا صغير، ولا غني ولا فقير، ثم في طي ذلك من الحكم، ومنافع العبد ومصالحه، في دينه ودنياه، ما لا يبلغ قدره إلا الحكيم الخبير:(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك ـ 14).
اما ثمرة الصلاة وفوائدها في حياة المسلم الدنيوية فيتضح في الأمر بأدائها فروضاً خمسة مدى الحياة، وفي التزود بأداء النوافل منها.
فانظر أخي القارئ إلى شخص ذلك المسلم المحافظ على صلاته وتأمل في صفاته وأخلاقه وسلوكه وتعامله مع الناس، ذلك الرجل القوي في إيمانه، القوي في بنيته، السليم في جسده، الكبير في عقله، المتزن في عواطفه، المهيب جانبه، الغيور على دينه، وأما في صفاته وأخلاقه: فإنك ترى رجلا قوي السمت، لين الجانب، سمح اليد، فهو عف اللسان، عليه وقار العلماء وجلال الصالحين وسيماء المتقين، وأما في سلوكه مع الناس: فإنك تجده ذلك الرجل للصادق الحديث المترفع عن خلق الكذب إلا ما فيه مصلحة دينية، تجده ذلك الرجل الأمين على ما يؤتمن، يمقت الغش، ويعاف للسباب، ويتحاشى الغيبة والنميمة، لا يؤذي أحدا ولا يؤذيه أحد، تجده ذا عقلية كبيرة، ونفس مطمئنة وعاطفة مشبوبة صادقة نحو أسرته وجيرانه ومجتمعه وأمته التي ينتمي إليها، أمة الإسلام. إنه ذلك المسلم الذي تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر، وكفى ذلك ثمة وفائدة للمصلين من صلاتهم.

وإن عقال هذه الصلوات وتاجها وثمرها في دنيا المسلم أنها السبب في سعة رزقه ووضاءة وجهه، وطول عمره، ومعنى استقامته، وكبير نشاطه، وانحسار كسله، وقوة صلته بربه، ودليل امتثاله وإيمانه وصبره.

فالله .. الله .. أخى المسلم لا تخسر هذه الثمرات، فشجرتها سامقة مورقة، وقطوفها دانية- إنها الصلاة وما يعين عليها.

إلى الأعلى