الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (92)
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد: فـلا زال الحـديث مـوصولا عـن الاتـقان:
وقـد يـعـبر عـن إتـقـان القـراءة بـكلمة الحـذق، لأن الحـذق هـو الإتـقان وقـد جـاء في حـديـث زيـد بن ثابـت قـوله:(فـما مـر بي نصـف شـهـر حتى حـذقـته أي عـرفـته وأتقـنته)، وفي إتـقـان القـراءة روى البخاري عـن أنـس أنه سـئـل: كـيف كانت قــراءة النبي (صـلى الله عـليه وسـلم)؟.
فـقال: كـانـت مـدا أي ذات مـد فـيما يـمـد، ثـم قـرأ: بسـم الله الـرحـمن الـرحـيـم، يمـد: ببسـم الله ويـمـد بالـرحـمن، ويـمـد بالـرحـيـم، وروى الترمـذي عـن أم سـلـمة قالت: (كان رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم)، يقـطـع قـراءته يـقـول:(الحمد لله رب العـالـميـن)، ثـم يـقـف:(الـرحـمن الـرحـيـم)، ثـم يـقـف .. ألخ.
وفي بيان كـيفـية الإتـقـان في قــراءة القـرآن، يقـول الـزركـشي في كـتابه:(البـرهـان في عـلـوم القـرآن)، فـحـق عـلى كل امـريء مسـلم قـرأ القـرآن أن يـرتـله، وكـمال تـرتـيـله تفـخـيـم ألـفـاظـه، والإبانـة عـن حـروفـه، والإفـصاح لجـمـيعـه بالـتـدبـر حتى يصـل بـكل ما بـعــده، وأن يسكـت بــين النفـس والنفـس حتى يـرجـع إلـيه نـفـسه، وإلا يـدغـم حـرفاً في حــرف، لأن أقـل ما في ذلـك أن يسـقـط مـن حـسابه بعـضها، وينـبغـي للـناس أن يحـرضـوا ويـرغـبـوا في تكـثير حـساناتهـم، فـهـذا الـذي وصـفـت أقـل ما يجـب مـن الـترتـيل.
وينـبغي أن يشـغـل قـلـبه بالتـفـكـير ،في معـنى ما يلـفـظ بلسانه ، فـيعـرف مـن كل آيـة معـناهـا، ولا يجـاوزها إلى غـيرها حتى يعـرف معـناهـا، وكـذلك مـن إتـقـان الـترتـيـل أنه إذا مـر بآيـة رحـمة فـرح بـوعـد الله تعـالى واستبـشـر، وإذا قـرأ آيـة عــذاب خـاف واسـتعـاذ بالله، وإذا مـر بآيـة تـوبـة تـذكـر ذنـوبه واسـتغــفـر وتاب إلى الله، وإذا مـر بـآية لـم يعـرف مـعـناها سـأل عـنها مـن يعـرف ، فإذا فـعـل ذلك يـكـون قـد قام بـكـمال تـرتيـل القـرآن.
ولـقـد ذكـر العـلـماء للـقـراءة ثـلاث كـيفـيات هـي: التحـقـيـق وهـو إعـطـاء كل حـرف حـقـه، مـن إشـباع الـمـد وتحـقـيـق الهـمـزة وإتـمام الحـركات واعـتـماد الإظهـار والتشـديـد والاخـفـاء، وبـيان الحـروف وتفـكـيكها وإخـراج بعـضها مـن بعـض بالسكت والـترتيـل والــتـؤدة، ومـلاحـظـة الجـائـز مـن الـوقـوف، بـلا قـصـر ولا اخـتـلاس، والاسـكان محـرك أو إدغـامه.
ولـقـد قـال عـبـد الله بن الـعـباس ـ رضي الله عـنهـما: لأن أقـرأ ســورة البـقـرة وسـورة آل عـمـران أرتلهـما وأتــدبـرهـما، أحـب إلي مـن أن أقـرأ الـقـران كله هــذرمة، والهـرمـذة :(هي السرعـة في الـكلام)، وقال لأن أقـرأ إذا زلـزلت والـقـارعـة أتـدبـرهـما، أحـب إلي مـن أن أقـرأ سـورة البـقـرة وآل عـمـران تهـذيـراً، والهـذر الهـذيان.
ومـع كل ذلك فـينـبـغي إلا ننـسى، أن الـمقـصـد الأساسي مـن قـراءة القـرآن هـو الـتـفـكـر والـتـدبـر للألـفـاظ والاعـتـبار، ولـذلك كان إتـقـان الـتـلاوة مطـلـوباً لأنه الـمعـين عـلى الـفـهـم.
الإتـقان مطـلوب في كل نواحي الحياة:
وهـكـذا نـرى أن الـدين يــدعـونا إلى الإتـقـان في كل مـجـال مـن مجـالات الحـياة البشرية ،يـدعـونا إلى الإتـقـان في الـتـفـكـير، حـتى لا نعـتـقـد إلا ما كان حـقاً وصـواباً وإلى الإتـقـان في القـول حـتى يـكـون كـلامـنا طـيباً مـباركاً مقـبـولاً، وإلى الإتـقـان في الـعـمـل حتى يـكـون خـالـيـا مـن الغــش سـليماً نافـعـاً، وإلى الإتـقـان في الـعـبادة حـتى تـكـون عـبادتـنا خـالصة لـوجـه الله تعـالى، وإلى الإتـقـان في السـلـوك حـتى يـكـون سـلـوكـنا نمـوذجـاً طـيباً للإنـسان الفاضـل في هـذه الحـياة الــدنيا الـفـانية ، ويتحـقـق تفـضـيـل الله للإنسان، قال الله تعـالى:(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسـراء ـ 70).
وقال الله تبارك وتعالى في كـتابه العـزيـز:(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) (فـصلـت ـ 53).
إن للإ تـقان مجـالات كـثيرة ، فهـو مطـلـوب في العـمـل وفي الـكـلام، وفي العـبادات وفي المعـامـلات، ويـقـال: إن أول ما ينـظـر مـن أعـمال الـمـرء يـوم القـيامة الصـلاة، فإن وجـدت تامـة قـبلـت وقـبـل سـائـر عـمله، وإن وجـدت ناقـصـة ردت ورد سـائـر عـمله.
والإتـقـان مطـلـوب في جـميـع العـبادات، عـلى وفـق ما طـلـبه الله مـن عــباده، حـيث قال عـز وجـل:(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الـذاريات 56 ـ 58).
إن الإخـلاص في العـبـادة، والإقـبال عـليها بهـمة وعـزيـمة وإخـلاص، والاشـتغــال بها حـين أدائها عـما سـواهـا، هـو الـذي يجـعـلها خـالية مـن الـرياء، خـالصة لـوجـه الله الكـريـم.
وقـد جاء عـن الإمام عـلي ـ كـرّم الله وجهه ـ أنه كان يقـول:(طـوبى لـمـن أخـلص لله العـبادة والـدعاء، ولـم يشـغـل قـلبه بما تـراه عـيناه، ولـم ينس ذكـر الله بما تسمع أذناه، ولم يحـزن صـدره بما أعـطي غـيره.
وتحقـيـق الإتـقـان في العـبادة، أمـر يحـتاج إلى مجهـود وتعـب، ولـذلـك قـيـل:(الابقـاء عـلى العـمـل حـتى يخـلـص أشـد العـمـل، والعـمـل الخالص الـذي لا تـريـد أن يحـمدك عـليه أحـد إلا الله عـز وجـل، وأدنى حـد الاخـلاص بـذل الـعـبـد طاقـته، ثـم لا يجـعـل لعـمله عـنـد الله قـدرا فـيـوجـب به عـلى ربه مـكافـآت لعـمله، وهـو يعـلـم أنه لـو طالبه الله بـوفاء حـق العـبـودية له لعـجـز، وأن أدنى مـقـام المخـلـص في الـدنيا السلامة مـن جـمـيع الآثـام ، وفي الآخـرة الـفـوز بالجـنة والنجـاة مـن الـنـار، قال تبارك وتعالى:(.. فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عـمـران ـ 185).
وروي أن أبا مسلـم الخـولا ني، دخـل عـلى مـعـاوية بن أبي سـفـيان، فـقال لـه السـلام عـليـك أيها الأجـير، فـقـالـوا: قـل السـلام عـليك أيها الأمـير، فـقال: دعـوا أبا مسلـم فإنه أعـلم بما يقـول.
فـقال أبـو مسلم لـمعـاوية: إنما أنـت أجـير اسـتأجـرك رب هـذه الأغـنام لـرعـايتها، فإن أنـت هـنأت جـرباهـا وداويـت مـرضاهـا وحـبست أولاها عـلى أخـرها، وفـاك سـيـدك أجـرك، وإن أنـت لـم تهـنأ جـرباهـا ولـم تـداو مـرضاهـا ، ولـم تـرد أولاها عـلى أخـراهـا عـاقـبـك سـيـدها.
والإتقـان إحـكام الصانع عـمله، والنصح في القـول والعـمل والـولاية والـوظـيفـة، وفي غـير ذلك مـن المصالح العـامة والخاصـة.
واتـقان الـولاية عـلى العـمل يتحـقـق بعـنصرين، هـما القـوة والأمانة، قال سـبحانه وتعالى: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القـصص ـ 26)، وقال عـلى لسان ملـك مصـر في النبي يـوسـف ـ عـليه السلام:(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) (يـوسـف ـ 54)، وكان رد النبي يوسـف ـ عـليه السلام، وهـو أهـل لأن يـقـوم بتـلـك الـمهـمة، إذ لـم يجـد مـن هـو أهـل للقـيام بها، فـقـدم نفـسه:(قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسـف ـ 55).
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى