الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (نفحة رمضانية مباركة) (9)

(نفحة رمضانية مباركة) (9)

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني:
أيها الصائمون والصائمات: إن رمضان فرصة للتغيير .. لمن كان مفرطاً في صلاته، فلا يصليها مطلقاً، أو يؤخرها عن وقتها، ليعلم المتهاون في صلاته، أنه يرتكب خطأً قاتلاً، وتصرفاً مهلكاً، يتوقف عليه مصيره كله، وإن لم يتدارك نفسه، فهو آيل لا محالة إلى نهاية بائسة، وليل مظلم، وعذاب مخيف، جاء في الحديث عن سمرة بن جندب ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في الرؤيا قال:(أما الذي يثلغ رأسه بالحجر فإنه يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة) ـ رواه البخاري.
إن التهاون بأمر الصلاة والاستخفاف بها، خطأ فادح بكل المقاييس، وجناية مخزية بكل المعايير، لا ينفع معها ندم ولا اعتذار عند الوقوف بين يدي الواحد القهار، إني أدعوك بكل شفقة وإخلاص، أدعوك والألم يعتصر قلبي خوفاً عليك ورأفة بك، أدعوك في مثل هذا الشهر المبارك إلى إعادة النظر في واقعك، ومُجريات حياتك، أدعوك إلى مراجعة نفسك، وتأمل أوضاعك قبل فوات الأوان، إني أنصحك ألا تخدعك المظاهر، ولا يغرك ما أنت فيه، من الصحة والعافية والشباب والقوة، فما هي إلا سرابٍ بقيعة، يحسبه الظمآن ماءً، أو كبرق خُلب، سرعان ما يتلاشى، وينطفئ ويزول، فالصحة سيعقبها السقم، والشباب يلاحقه الهرم، والقوة آيلة إلى الضعف، ولكن أكثر الناس لا يتفكرون .

أخي الكريم: إن أصحابك الذين غروك بالتهاون بشأن الصلاة، وزينوا لك إضاعتها، إنهم لن يذرفوا عليك سوى دموع التماسيح، يعودون بعدها، إلى مزاميرهم وطربهم وأنسهم، غير مكترثين بك، ولا بألف من أمثالك، إنهم أنانيو الطباع، ميتو الإحساس، لا همّ لهم إلا أنفسهم وملذاتهم، ولو فقدوا الآباء والأمهات، فضلاً عن الأصحاب والخِلان، فاستيقظ يا هذا من غفلتك، وتنبه من نومتك، فالحياة قصيرة وإن طالت، والفرحة ذاهبة وإن دامت، واجعل من رمضان فرصة للمحافظة على هذه الصلاة العظيمة، فقد وفقك الله للصلاة، وإلف المساجد، وعمارتها بالذكر والتسبيح، فاستعن بالله، واعزم من الآن أن يكون هذا الشهر المبارك بداية للمحافظة على الصلاة، والتبكير إليها، يقول الله تعالى في وصــف المؤمنين:(الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ) (المعارج ـ 24).
ويقول سبحانه:(وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ) (المعارج 34 – 35).
ورمضان فرصة للتغيير .. لمن ابتلاه الله تعالى بتعاطي الحرام، من خـمر ومخدرات، أو دخان ومسكرات، أن لا يفعل بعد إفطاره ما يخل بهذه العزيمة القوية، أو يوهنها، أو يقلل من شأنها ،تلك العزيمة التي جعلته يمسك طوال ساعات النهار، فيهدم في ليله ما بناه في نهاره من قوة الإرادة التي صبر بسببها عن محبوباته ومألوفاته، فما أحزمه لو استغل شهر الصيام كمدرسة يتدرب بها على هجر ما يكرهه هو، أو يكرهه الشارع، من مألوفاته التي اعتاد أكلها أو شربها أو مقاربتها .. تالله ما أحزمه لو واصل هذه الحمية عن ذلك بالليل، كما عملها في النهار .
أخي الصائم: إني أشجع فيك إيمانك العظيم ، ويقينك بالله تعالى، فمن الذي جعلك تمتنع عن تعاطي هذه السموم في وقت الصيام إلا خوفك من الجبار، ومراقبتك للواحد القهار، وإلا فمَنْ مِنَ الناس يعلم أنك صائم أو لا؟! ولكن شعورك بنظر الله إليك، ومراقبته لك، صرفك عن تعاطي الحرام في وقت الصيام.
وإني أتساءل بصدق .. الإرادة التي استطاعت أن تصوم لأكثر من اثنتي عشرة ساعة، أتعجز عن مواصلة مسيرتها الإصلاحية ؟! والعزيمة التي صمدت عن تعاطي هذا البلاء، لهذه الفترة الطويلة أثناء النهار .. أتنهار في آخر لحظات الإسفار، وإرخاء الليل الستار؟!.
أين الهمة التي لا تقف أمامها الجبال الشامخات؟ وأين العزيمة التي لا تصدها العاتيات! استعن بالله تعالى على ترك هذا البلاء، فالنصر صبر ساعة، والفرج قريب، وإن الله مع الصابرين .
ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان مقصرًا في نوافل العبادات فلم يجعل له منها نصيباً، ولم يأخذ لنفسه قسماً مفروضاً، فيغير من حاله، ويبدل من شأنه ، ففي رمضان تتهيأ النفوس، وتقبل القلوب، وتخشع الأفئدة، فينتهز هذه الفرصة، فيحافظ على شيء منها، فهي مكملة لفرائضه، متممة لها، قال (صلى الله عليه وسلم):(إن أول ما يحاسب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإن أتمها وإلا قيل انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك) ـ رواه ابن ماجه.
وأقل الوتر ركعة، وأقل الضحى ركعتان، وعدد السنن الرواتب اثنتا عشرة ركعة، ركعتان قبل الفجر، وأربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم):(ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير الفريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة أو إلا بني له بيت في الجنة) ـ رواه مسلم، ويقول (صلى الله عليه وسلم):(أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) ـ رواه مسلم .
ولماذا لا تجعل من رمضان فرصة، لأن يكون لك أيام تصومها لله رب العالمين فمن صام يوماً في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفاً، فهذه ستة من شوال، ويوم عاشوراء، وعرفة، وصوم الإثنين والخميس، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، فلا تحرم نفسك الدخول من باب الريان، عندما ينعم عليهم المنان بدخول الجنان .. فبادر شبابك قبل هرمك .. وصحتك قبل سقمك .. وحياتك قبل موتك .. عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) ـ رواه البخاري .
ورمضان فرصة للتغيير .. لمن هجر القرآن قراءة وتدبراً، وحفظاً وعملاً حتى أصبح القرآن نسياً منسياً، أن يكون هذا الشهر بداية للتغيير، فترتب لنفسك جزءاً من القرآن، لا تنفك عنه بأي حال من الأحوال، ولو كان هذا الجزء يسيراً، فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، وقليل دائم خير من كثير منقطع، ولا تنس الفضل الجزيل لمن قرأ كلام الله الجليل يقول النبي (صلى الله عليه وسلم):(من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) ـ رواه الترمذي.
والقرآن يشفع لك يوم القيامة يقول النبي (صلى الله عليه وسلم):(الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربي إني منعته الطعام والشهوة، فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، قال: فيشفعان).
ولقد أدرك الأولون عظمة هذا القرآن فعاشوا معه ليلاً ونهاراً .. قال وهيب بن الورد: قيل لرجل ألا تنام؟ قال: إن عجائب القـرآن أطرن نومي، وقال أحمد بن الحواري: إني لأقرأ القرآن، وانظر في آية، فيحير عقلي بها، وأعجب من حفاظ القرآن، كيف يهنئهم النوم، ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الله، أما إنهم لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقه، وتلذذوا به، واستحلوا المناجاة به، لذهب عنهم النوم فرحاً بما رزقوا .
ومن المفارقة العجيبة، أن يدرك أعداؤنا من عظمة هذا القرآن، ما لا ندركه، وأن يعملوا جاهدين على طمس معالمه، ومحو آثاره في العباد والبلاد، لخوفهم الشديد من عودة الأمة إلى هذا القرآن الذي يؤثر في النفوس، ويحييها، ويبعث فيها العزة والكرامة، يقول غلادستون: مادام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسلمين، فلن تستطيع أوربة السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان، وكان نشيد جيوش الاستعمار ،كان نشيدهم: أنا ذاهب لسحق الأمة الملعونة، لأحارب الديانة الإسلامية، ولأمحو القرآن بكل قوتي.
فما موقفك أنت يا رعاك الله؟ أدع الإجابة لك، وأسأل الله أن يوفقك للخير وفعله.

إلى الأعلى