الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رمضان وسلوك التنمية

رمضان وسلوك التنمية

يحمل شهر رمضان في منظومة مبادئه وفلسفته وأهدافه، مناهج للحياة ، وخطط للتنمية والتطوير، وصناعة للذات وتعزيز القيم والاخلاقيات وترسيخ منهجيات فاعلة في الاداء المتميز، فالغاية من الصوم في شهر رمضان تقوى الله في عِظم معناها ودقة مغزاها وتكامل أركانها وسمو مفرداتها وشروط مقتضيات تحققها، والمتتبع لجوانب الترابط بين رمضان والتنمية فيما يدعو إليه من مبادئ ومُثُل ومناهج للحياة وأنماط معينة من السلوك، وما يؤكّده من ممارسات ويؤصّله من ثقافة وفكر، يجد بأنها معايير لأي تنمية تنشد النجاح وتسعى للاستدامة، إذ أن صوم رمضان يقوم على عقيدة الطاعة والامتثال لأوامر الله واجتناب نواهيه وهو تطبيق عملي لعبودية الفرد لله سبحانه وتعالى بما سخره له من عظيم فضل وكريم منّة، وهذا المنطلق الفكري تتطلبه التنمية في قيامها على فكر خلاق متزن ومبادئ راسخة وقناعات ايجابية تنشد التطوير وتتبناه وتسعى اليه وتحترمه، بحيث يصبح الفرد فيها مشاركا فاعلا، ملتزما أهدافها، محققا غاياتها، عاملا بحدودها عارفا ومدركا لمقتضيات عملها، متقيدا بما تقرّه من استراتيجيات وأُطر سليمة ومناهج عمل مقننة للوصول الى تنمية تتسم بالعمق والشمولية والاستدامة تستهدف ترقية الانسان وتمكينهمن أداء مسؤولياته بكل مهنية.
إن منهج البناء الفكري والاستعداد الذهني الطوعي الذي يقوم عليه رمضان يعتمد على تعميق آليات إدارة البرامج والعمليات الداخلية الذاتية للسلوك اليومي للصائم المسلم في نهار رمضان وليله بشكل متوازن ووفق خطط عمل محددة زمنيا، بما فيه من عبادة وذكر وصلوات خمس والتراويح والقيام وأعمال البر والصدقة والانفاق وحضور مجالس الذكر وغيرها، وهي عمليات تتطلب خطة عمل وأليات أداء محددة وأطر عمل مقننة مساندة للصائم المسلم واحترام الوقت والاخلاص في العمل والانجاز المتقن له لبلوغ غايات الصيام وأهدافه، والتنمية لا يمكن أن تصل لتحقيق أهدافها إلا في ظل وضوح العمليات الداخلية بها من تخطيط وتنظيم وإدارة وتقييم ومتابعة وقدرتها على تشخيص واقع العمل وفق أسس وضوابط وتشريعات ومنهجيات عمل، تقدر قيمة الوقت كعنصر من عناصر الانتاج، وتؤكد القيمة المضافة للمورد البشري المستهدف، وقيمة التخطيط كأحد مرتكزات نجاح قدرات التنمية وبرامجها واقترابها من الهدف، وقدرة الفرد على إدارة منظومة الأداء بالمؤسسة، مع ما يرافق ذلك من حاجة التنمية إلى منظومة أخلاقية وقيمية تستند إليها وتقوم على تنفيذها.
وكون صوم رمضان منهج وقاية وتحقيق السلامة النوعية للإنسان في كل معطياته النفسية والفكرية والجسمية، وفي كل مواقفه وممارساته، يمنع الصائم من ارتكاب المعاصي أو الوقوع في المحظورات، فهو بذلك مرحلة بناء النفس وإعداد الذات وإدارتها نحو التبصر في قادم السلوك وتعويدها منهج العمل وفق المبادئ والضوابط والاحكام، بحيث يمتلك المعرفة الحقة بالشروط والواجبات والمسؤوليات والقوانين والمسموح فيه من عدمه وما يجوز فيه وما لا يجوز، بالشكل الذي تتسع فيه مدارك الصائم لفهم بيئة العمل التي يمارس فيها عبادته ومسؤولياته في جعل الصيام حياة عملية راقية تفتح له آفاق النفس والمجتمع والإنسانية جمعاء، وعندما يفقه حدود الصوم وواجباته وحقوقه تتولد لديه معرفة يقينية يستطيع من خلالها أن يؤدي صيامه على أكمل وجه، إن التنمية بدورها تتطلب مستويات من الوعي لدى مجتمع التنمية وأول مؤشرات الوعي مستوى امتلاكه لثقافة الوقاية، والتزامه لقواعد والمبادئ وأسس العمل وفق ضوابط التنمية وأولوياتها ومجالات عملها، ومسؤولياته الاجتماعية نحوها، وبالتالي كان التزامه بمحدداتها وأطرها ومشاركته في صناعة أهدافها وإنجازاتها ووعيه بطبيعة الدور الذي يقوم به، منطلقا يعزز من منهج الوقاية الذي يكسبه فرص أكبر ليس للالتزام بالمبادئ بالأنظمة واللوائح بل أيضا في ابتكاريته ومبادراته لوضع التنمية في موقعها الصحيح.
وفي ظل ما يقدمه الصوم من فرص الثواب والأجر، قيمه مضافة تعزز من مبدأ ضبط السلوك واستغلال الوقت،والبحث في أفضل الممارسات وأعظمها أجرا وفضلا واستدامة،بما يمنح الموظف الصائم فرصا أكبر للتواجد في وقت العمل،وهكذا يأتي نجاح التنمية من خلال البحث عن أفضل الممارسات في التخلص من فائض العمليات المكررة الناتجة عن سوء استغلال وقت العمل وضعف إدارته، على أن ما يحققه الصوم من سعادة الإنسان وفرحه وطمأنينته وحسن توجيه مقاصده لخير دنياه وآخرته، وما يؤديه السلوك المجتمعي في رمضان من قيم التواصل والتكافل والترابط والتراحم بين الناس، مرتكزات لإنسانية التنمية التي تستهدف سعادة الانسان واستقراره وتحقيق أمنه النفسي والفكري والوظيفي وترقية حصوله على حقوقه واداءه واجباته ومسؤولياته ، فإن صوم رمضان بما يحمله من مبادئ واستراتيجيات ومناهج حياة وأطر انجاز وإدارة الممارسات وعادات تنموية، يؤصل لسلوك التنمية، بحيث تستلهم من رمضان مدخلها للاستدامة والإنسانية.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى