الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : هوليوودية حادثة أورلاندو والسياسات الأميركية القادمة

شراع : هوليوودية حادثة أورلاندو والسياسات الأميركية القادمة

خميس التوبي

يبدو أن الاستثمار الأميركي ـ الغربي في الإرهاب ماضٍ وفق المخطط المعد بعنوانه الكبير تنظيم «داعش» المستولد من رحم التنظيم الأم «القاعدة» ليكون الخليفة الجديد الذي تبنى عليه وعلى بروباجندا محاربته الخطط والأهداف الاستراتيجية، وعلى أكتاف التنظيم وسواعد أشقائه من الولادات الجديدة يجري إنجاز الأهداف والمشاريع والتي (الولادات الجديدة) تجثم بمسمياتها العديدة والتي ما أنزل الله بها من سلطان على صدر المنطقة.

وبهذا الاستثمار تمارس الولايات المتحدة تجارتها الرخيصة بحق شعوب العالم عامة وشعوب المنطقة خاصة، وتحت عناوين هذه التجارة أخذت تبيع وتشتري في الجميع، بل بأدواتها وحلفائها قبل الآخرين، وتمارس أقذر صنوف الابتزاز، في حين أن بضاعتها (وهي الإرهاب طبعًا) لم تكن رائجة إلا لدى أدواتها.
وتأتي حادثة أورلاندو بولاية فلوريدا جنوب غرب الولايات المتحدة والتي راح ضحيتها أكثر من مئة شخص بين قتيل وجريح على يد مسلح من أصول أفغانية يدعى عمر صديق متين، واحدًا من الشواهد الدالة على طريقة الاستثمار في الإرهاب وتوظيف الأدوات لتحقيق أكبر قدر من الأرباح السياسية والاقتصادية، من بينها:
أولًا: إعادة إنتاج الصورة المشوهة والمفزعة عن الإسلام «الإسلاموفوبيا» وشيطنة أتباعه لدى الفكر والعقل الأميركي خاصة والغربي عامة، ومحاولة تكريس وصم الإسلام بـ»الإرهاب»، حيث الاستثمار بدا في أوضح صوره من خلال التوظيف السريع لمرشح الرئاسة الجمهوري دونالد ترامب وذلك بتأكيد ما ذهب إليه من آراء متطرفة وعنصرية ضد الإسلام والمسلمين، وأنه كان محقًّا بشأن ما أسماه «الإرهاب الأصولي الإسلامي»، مضيفًا في تغريدة له على موقع تويتر «أقدر التهاني لي لأنني كنت محقًّا بشأن الإرهاب الأصولي الإسلامي، لا أريد تهاني، أريد شدة ويقظة، ينبغي أن نكون أذكياء». أما بول ريان رئيس مجلس النواب الأميركي فكان هو الآخر واضحًا في تعليقه على الحادثة بأنه «علينا مع التئام الجرح أن نكون فطنين بشأن من الذي فعل هذا. إننا أمة في حالة حرب مع الإسلاميين الإرهابيين».
وهذا في التأسيس الأميركي بنقل الصفة من الفردية إلى الجمع (أي من إلصاق التهمة بفرد إلى محاولة إلصاقها بالإسلام والمسلمين) له أبعاده في السياسات الأميركية القادمة والتي ستتبع مع شعوب العالم الإسلامي تحديدًا. بمعنى إعادة إنتاج الحرب على العنصرية والإرهاب والتطرف إلى حرب شعواء بين المسلمين والمسيحيين، ومعاداة كل ما هو إسلامي والتي بدأها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش «الصغير» حين أعلنها صراحة بأن حربه على الإسلام هي «حروب صليبية».
ثانيًا: السرعة الأميركية اللافتة في تحديد الجهة المنفذة لحادثة الملهى الليلي في أورلاندو وهي تنظيم «داعش» الإرهابي، وأن المنفذ مرتبط بالتنظيم، وأنه تلقى تدريبات خارج الولايات المتحدة، قبل أن يعلن التنظيم ذاته مسؤوليته عن الاعتداء، في حين أكد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي «اف بي آي» أن عناصره استجوبوا في السابق مرتين منفذ الاعتداء وذلك بسبب إدلائه بمواقف مؤيدة للجهاديين ولكن من دون أن يتمكنوا من إيجاد دليل على ارتباطه بإرهابيين. وفي لغة تبدو أقرب إلى التبرير للتغطية على سرعة تحديد الجهة المنفذة، وحسب رونالد هوبر المسؤول في الأف بي آي خلال مؤتمر صحافي في أورلاندو أنه قبيل وقوع المجزرة المروعة «بلغنا بأن متين اتصل صباح الأحد بـ(رقم الطوارئ) 911 قائلًا إنه يبايع تنظيم الدولة الإسلامية». والسؤال الذي يطرح ذاته هنا هو: ما علاقة الطوارئ بمبايعة تنظيم إرهابي، بينما من المفترض أن يتصل بأبي بكر البغدادي أو أي متزعم للتنظيم لإعلان البيعة؟
ولتفسير ذلك ـ في تقديري ـ أن هذا الإخراج بهذه الصورة الهوليودية هو من أجل نقل الحدث من تفاعلاته الداخلية لاحتواء حالة الغضب والاحتقان الشعبي بإلصاق تهمته إلى طرف آخر مثل تنظيم «داعش» لكونه أصبح ظاهرة إرهابية عالمية بقوة الترويج الدعائي الأميركي ـ الغربي وإكساب التنظيم صفات خارقة تجعله فوق قدرة تصور الرأي العام الأميركي تحديدًا والرأي العام العالمي، وبالتالي تحويل الغضب الشعبي إلى صف الحكومة الأميركية وما تعلنه من مسرحيات وبروباجندا لمحاربة «داعش»، وهو ما سيخدم ـ دون شك ـ السياسات الأميركية المخفية عن الشعب الأميركي والتي أنتجت إرهاب «داعش» مثلما أنتجت إرهاب «القاعدة» ومستولداته بالتعاون مع أدوات عميلة للكاوبوي الأميركي في المنطقة.
ثالثًا: اغتنام حادثة أورلاندو في بث ما يشبه الإدانة، حيث كان لافتًا ما جاء على لسان المرشحة الديمقراطية للرئاسة هيلاري كلينتون من أنها تدعو إلى عدم تقديم الدعم لتنظيم «داعش»، خاصة بالذكر دولًا خليجية، وهذه الدعوة من الوارد جدًّا أن تكون اتهامًا صريحًا لممارسة الابتزاز على هذه الدول في مراحل لاحقة، كتحريك دعوى قضائية ضدها لمحاكمة المتهمين وتعويض الضحايا. فكما قلنا أعلاه إن الأميركي في تجارته الرخيصة هذه وهي الاستثمار في الإرهاب يبيع ويشتري الجميع، بل إنه يبدأ بأدواته وحلفائه قبل الآخرين. مع أن الحادثة تعكس فشلًا أمنيًّا ودستوريًّا داخليًّا فيما يتعلق بقضية حيازة السلاح بيد المواطنين الأميركيين هذا من جهة، بينما يعد عمر صديق متين منفذ الاعتداء جزءًا من الثقافة الأميركية القائمة على العنف والتطرف والعنصرية بحكم مولده وجنسيته من جهة أخرى.

إلى الأعلى