الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مصر ونقطة الانطلاق الحقيقية

مصر ونقطة الانطلاق الحقيقية

السيد عبد العليم

” .. صار ما يحدث بحق مياه النيل يعد كارثة بكل المقاييس. وذلك من خلال تصريف مياه المجاري وإلقاء مخلفات المصانع والفنادق والمساكن في مجرى المياه العذبة بداية من نهر النيل في أسوان بأقصى الجنوب وحتى فرعيه رشيد ودمياط في اقصى الشمال مرورا بالرياحات والترع. الامر الذي يمثل تهديدا للمصريين يفوق اي تهديد آخر داخلي او خارجي ايما كان حجمه ومصدره.”

طالما ارتبطت مصر بالزراعة. فقد وهبها الله ارضا سهلة خصبة صالحة للزراعة وطقسا متنوعا ما بين المعتدل والحار فضلا عن المياه العذبة المتمثلة في الاساس بنهر النيل. وكما يحكي القرآن الكريم عن بني اسرائيل عندما تمردوا على طعام المن والسلوى «وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ» البقرة 61، أمرهم الله سبحانه بان يتجهوا الى مصر وهي هنا صفة اي بالذهاب الى بلد زراعي وهذا ايضا حال مصر كأسم. ثم جاء في قصة يوسف عليه السلام الحديث عن زراعة الحاصلات وتخزينها وفي مقدمة ذلك القمح الذي يرتبط به المصريون بشكل كبير في معيشتهم. وكانت مصر مصدر غذاء عالمي كبير، بفضل نهر النيل حتى تجبر فرعون ممتنا به كما حكى القرآن عنه»وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ» الزخرف (51) ـ صحيح انها بعد ذلك جرت من فوقه بالغرق ـ لكن كان وما زال للنيل دور كبير في حياة المصريين الذين لا زالت وسوف تظل الزراعة هي النشاط الرئيسي لهم.

ومن ثم يكون من الحتمي بالنسبة لمن يتولى مقاليد السلطة في مصر ان يكون محور نظره هو الاهتمام بموارد المياه والفلاح والزراعة. لكن للأسف تراجع هذا الاهتمام بشكل بائس في العقود والسنوات الأخيرة.
وصار ما يحدث بحق مياه النيل يعد كارثة بكل المقاييس. وذلك من خلال تصريف مياه المجاري وإلقاء مخلفات المصانع والفنادق والمساكن في مجرى المياه العذبة بداية من نهر النيل في أسوان بأقصى الجنوب وحتى فرعيه رشيد ودمياط في أقصى الشمال مرورا بالرياحات والترع. الأمر الذي يمثل تهديدا للمصريين يفوق اي تهديد آخر داخلي او خارجي ايما كان حجمه ومصدره.
على سبيل المثال، هناك مجرى مائي لمياه الصرف الصحي والصرف الصناعي والزراعي ينبع من منطقة العياط، مرورا بالبدرشين والمنصورية والهرم ثم ينحدر، عبر ما يزيد على 120 كيلو متراً يصل فيها إلى مركز المناشى بمحافظة الجيزة، وينتهى بصرف 19 مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحى يوميا في مياه النيل، بالمخالفة للقانون رقم 48 لعام 1982 بشأن حماية النيل، الذي يلزم الحكومة بمعالجة المياه وتنقيتها قبل صرفها في النيل. ويطلق عليه الاهالي «الرشاح القاتل» بسبب تصديره السموم والأمراض للإنسان، ويصب مباشرة في مياه نهر النيل في قرية الرهاوى بمحافظة الجيزة. حيث تصب من تلك البلدة ومن نكلا مياه المجاري القادمة من أغلب مناطق محافظة الجيزة في فرع رشيد. ذلك الشريان المائي الذي كنا في صبانا نشرب من مياهه مباشرة حيث كانت نقية تماما ومليئة بالاسماك. اما الان فلا تسأل عن حاله وما أصابه بشكل مهين لكل إنسان لديه ذرة من ضمير. فلم يعد به اسماك وصارت مياهه ملوثة بشكل لا يمكن ملامستها. وليس هذا من الاسرار بل ان كل المسئولين في مصر على علم بذلك.

كما ان هناك كثير من الترع التي جف ماؤها. فبعدما كانت مليئة طوال العام صارت المياه تأتيها أياما معدودة وسرعان ما تجف. فضلا عن إلقاء المخلفات ومياه الصرف الصحي فيها. بشكل يدفع المزارعون إلى عدم القدرة على زراعة محاصيلهم بسبب تلوث المياه. واصابة الكثير منهم بالامراض المتفشية مثل الالتهابات الكبدية والفشل الكلوي وغيرها. الأمر الذي دفع الكثير منهم إلى عدم الاهتمام بالأرض كمصدر للزراعة فقاموا بتبويرها والبناء عليها أو بيعها لتقام عمارات فوقها، حتى صارت كثير من القرى لا تختلف بأي حال عن المدن، بل انها صارت مدن. من حيث الأنشطة التجارية والمحلات وغير ذلك ولم يعد بها الا بقايا قليلة لما كان يعرف بالريف المصري الجميل. ولتتآكل بذلك رقعة الارض الزراعية يوما بعد يوم.

يحدث هذا بشكل منتشر في أغلب انحاء الدلتا ـ المثلث الزراعي القديم ـ وبدون اهتمام من حكومات مصر المتعاقبة تقريبا منذ سنوات حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك. وبعد قيام ثورة يناير 2011 وما تبعها، ساد الأمل بأن يتولى إدارة البلد حكومات لديها تفكير وتخطيط حقيقي للنهوض بها. وان تكون الأولية هي إعادة الزراعة المصرية إلى سابق عهدها. لكن ذلك لم يحدث للأسف حتى الان.
وعلاج تلك المشكلة الخطيرة ليس بالامر الصعب او المستحيل او حتى المكلف. بل كل ما تتطلبه هو ارادة سياسية. ويتمثل ذلك بداية بالعمل الجاد والفوري على وقف تصريف المجاري في مصادر المياه العذبة سواء في النيل أو فرعيه أو الترع والرياحات. وذلك بوضع خطة مرحلية بالاتفاق مع المنشآت والمصانع والقرى والمدن وغيرها ممن تلقي مخلفاتها ومجاريها في المياه العذبة على وقف ذلك وإقامة بديل صرف لها اي تفعيل دور وزارات البيئة والري والمجالس المحلية وهيئات النظافة لتقوم بدورها الحقيقي في الحفاظ على الموارد المائية الطبيعية وحمايتها وصيانتها. كما يتم على مستوى القرى تفعيل دور وزارة الري، حيث هناك اعداد كبيرة من العاملين في تلك الوزارة المنوط بهم حماية وصيانة الترع والرياحات والذين لا يقومون باي عمل من الاساس. وان تقوم الجهات المعنية بدورها في جمع المخلفات ومعالجتها بطريقتها. بدلا من ان تصبح مصادر المياه العذبة مقلبا للقمامة والمخلفات من الطيور والحيوانات النافقة ومصرفا لمياه المجاري.
أما بالنسبة لرشاح الرهاوي القاتل الذي يصب في النيل مباشرة، فيمكن له ولأمثاله ان تقوم فرقة المهندسين العسكريين في الجيش المصري العظيم، بإقامة محطة صرف صحي يتم فيها معالجة هذه المياه قبل صرفها في فرع رشيد فتصبح مياها نظيفة معالجة تختلط بالمياه الاصلية فينتفع بها. وكذلك الحال بالنسبة لمثل تلك الرشاحات التي تصب في النيل والترع والرياحات وغيرها من موارد المياه العذبة.
فمن شأن ذلك أن يعيد لتلك المياه عذوبتها ونقائها بشكل يحمس الفلاحين على الزراعة مجددا ويجعلهم يهتمون بارضهم ويكون للزراعة الاولوية الاولى عندهم وتصبح الارض هي العرض كما كانت دائما بدلا من السعي الى تبويرها وبنائها او بيعها كأرض للبناء عليها فتخسر الدولة الكثير من مقوماتها وكنوزها الحقيقية. وعندما يتم وقف تصريف المخلفات وإلقاء القمامة والحيوانات النافقة وغيرها في مجاري المياه العذبة، سيعود للريف المصري صفائه وحيويته ونقاء مياهه وتربته وهوائه وتكسب مصر الكثير في ذلك دون تحمل اعباء مالية كبيرة. فعندما تتحسن الاحوال المساعدة على الزراعة ويزيد الاهتمام بالفلاح المصري ـ وهو العامل الوحيد الذي لا يعرف أيام الأجازات والعطلات، فهو في عمل دائم ـ فتتحسن احواله المعيشية والصحية، سوف يعود ذلك بالنفع على البلد ككل من حيث توفير مصادر الغذاء وخاصة محاصيل القمح والذرة والأرز والقطن وغيرها التي تدخل في الصناعة فتعود صناعة المنسوجات والزيوت والصابون المصرية الى سابق عهدها المزدهر بما يخدم الاقتصاد الوطني ككل فتقل الواردات وتزيد الصادرات ويتراجع الطلب على العملة الصعبة، ليتعافى الجنيه المصري امام العملات الاجنبية ليعود بالمصلحة على خزينة الدولة. اضافة الى تحسن الاحوال الصحية للفلاحين واسرهم، فتقل كلفة العلاج والبحث عن ادوية للامراض الكبدية والغسيل الكلوي وغيره، بما يعود بالنفع على خزانة وزارة الصحة وميزانية الدولة في النهاية.
وفي حال تحقيق ذلك الاهتمام بموارد المياه وبالفلاح والزراعة وشيوع تلك الاجواء، ستشعر شريحة كبيرة من المواطنين بتغيير كبير وجوهري في حياتهم، فيلتفون حول قيادتهم ويحدث نوعا من اللحمة الوطنية المطلوبة بشكل كبير في هذا الوقت لمجابهة الاخطار والتحديات الداخلية والخارجية.

إلى الأعلى