الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الغيبة والصيام

الغيبة والصيام

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري:
الصائم الحقيقي هو الذي صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش والغيبة والنميمة وقول الزور وبطنه عن الأكل والشرب وفرجه عن الرفث، فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه، فيخرج كلامه نافعا صالحا، وكذلك أعماله، فهي بمنزلة الرائحة التي يشمّها من جالس حامل المسك، كذلك من جالس الصائم انتفع بمجالسته وأمن من الزور والكذب والفجور والظلم، هذا هو الصوم المشروع لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، وقد ورد في الحديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم):(من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ـ رواه البخاري، وفي الحديث الآخر:(رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش) ـ رواه الإمام أحمد.
فالصوم الحقيقي إذن: هو صوم الجوارح من الآثام وصوم البطن عن الطعام والشراب، فكما أن الطعام والشراب يقطعه فهكذا الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته، فتصيره بمنزلة من لم يصم، قال جابر بن عبدالله ـ رضي الله عنه:(إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع عنك أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة ولا يكن يوم صومك ويوم فطرك سواء).
لهذا كان لابد للصائم من آداب تجب مراعاتها والعمل بها في الصوم والإفطار وإلا لم يكن له من حظ صومه إلا الجوع والعطش.فمنها غض البصر عما حرم الله من النظر المحرم إلى العورات وإلى النساء قال تعالى:(قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)، ومنها صون السمع عن الإصغاء إلى كل محرم كالغناء والموسيقى لأن الإنسان مسؤول عن سمعه كما هو مسؤول عن بصره فقائل القبيح والمستمع إليه شريكان في الإثم، ومنها حفظ اللسان عن النطق بالفحش والبهتان وقول الزور والخصومة والسب والشتم وأن يلزم الصمت إذا شتمه أحد ليس عجزا عن الأخذ بالثأر ولكن بتبين حاله أنه صائم إشارة إلى أنه لن يقابل من شتمه بالمثل قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم) وغير ذلك من الآداب.
إن حاجتنا عظيمة وكبيرة للأخلاق، ونحتاج إلى تمثلها في كثير من أحوال حياتنا وتعاملاتنا فيما بيننا، بل إن أزماتنا في كثير من مشكلاتنا اليوم أزمة ضعف في الأخلاق وفي إقامة تعاملاتها في مجتمعنا الذي فقد أو كاد في كثير من التعاملات بين الناس.

داء من أفسد الأدواء وأفتكها بالأفراد والمجتمعات، يجلب الشر ويدعو إلى الفرقة ويوغر الصدر ويثير الأحقاد، ويحط بصاحبه لأسفل الدركات، وينشر بين الناس الكراهية والأحقاد، ولذلك حذّر الله ورسوله منه، ولكنه مع الأسف شاع بيننا وأصبح فاكهة نزين بها مجالسنا، وقليل منا مَن يسلم من الوقوع به، بل يمارس ولا تجد من ينكر عليه، وقد تجد عابدًا متصدقًا محسنًا وصاحب سنن وحضور جنائز وصدقة لكنه يقع بالغيبة والنميمة والبهتان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.كبائر الذنوب سبب كل شقاء وشر وعذاب في الدنيا والآخرة، وشر الذنوب والمعاصي ما عظم ضرره وزاد خطره، وإن من كبائر الذنوب والمعاصي “الغيبة والنميمة”، وقد حرمهما الله في كتابه وعلى لسان رسوله لأنها تفسد القلوب وتزرع الشرور وتورث الفتن وتجر إلى عظيم من الموبقات والمهلكات، وتوقع بصاحبها الندم في وقت لا ينفعه الندم، وتوسع شقة الخلاف، وتنبت الحقد والحسد وتجلب العداوات بين البيوت والجيران والأقرباء وتنقص الحسنات وتزيد بها السيئات وهي من الكبائر.فالغيبة والنميمة ، تنفر منه القلوب وتكثر فيه العيوب؛ فقد نهى الله عنها وشبه فاعلها بصورة مكروهة للإنسان وينفر منها طبعه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) (الحجرات ـ 12).
هذا النهي في غاية التنفير من الغيبة، حين يشبّه الله المغتاب للمسلم بمن يأكل لحمه ميتًا، فإن كان المغتاب يكره أكل لحم أخيه وهو ميت وينفر من تلك الصورة فلا يأكل لحمه وهو حي بالغيبة والنميمة، فإن الغيبة كأكل لحمه ميتًا، ولو تفكر المسلم في هذا التشبيه فقط لكان زاجرًا عن الغيبة كافيًا في البعد عنها.معنى الغيبة: ذكرك المسلم بما يكره حال غيبته، قال (صلى الله عليه وسلم):أتدرون ما الغيبة؟!، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أرأيت إن كان في أخي ما يقول؟! قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، أي إن كان متصفًا بهذه الصفة التي ذكرتها وهو لا يحب ذكرها، إن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) ـ رواه مسلم.
فالله يتوعد المغتاب بالويل؛ فكيف أغتابك أيها المؤمن بعد هذا الوعيد؟! نعم، لن أغتابك أيها المؤمن لأن الله سبحانه قد زجر ونفّر عن الغيبة، وكره إلينا فعلها والوقوع فيها، بما لا يبقي للنفس لها ارتياحًا، فقال سبحانه واصفًا مشبهًا حال المغتاب لأخيه المؤمن: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) (الحجرات ـ 12)، هذه الآية الخاصة في تصوير مشهد الغيبة لابد من وقفة معها، يقول ابن كثير في تفسيرها: أي كما تكرهون هذا طبعًا، فاكرهوا ذاك شرعًا فإن عقوبته أشد من هذا، وهذا من التنفير عنها والتحذير منها، وعن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء).
وقال الآلوسي: كنى عن الغيبة بأكل الإنسان للحم مثله؛ لأنها ذكر المثالب وتمزيق الإعراض المماثل لأكل اللحم بعد تمزيقه، وجعله ميتًا لأن المغتاب لا يشعر بغيبته، يقول ابن حجر الهيتمي عن الغيبة: إنّ فيها أعظم العذاب، وأشد النّكال؛ فقد صح فيها أنها أربى الربا، وأنها لو مُزجت بماء البحر لأنتنته وغيّرت ريحه، وأن أهلها يأكلون الجِيَف في النار، وأن لهم رائحة منتنة فيها، وأنهم يعذبون في قبورهم، وعن ابى بكرة ـ رضى الله عنه ـ قال:(مرّ النبي (صلى الله عليه وسلم) بقبرين فقال: انهما ليعذبان وما يعذبان في كبير اما احدهما فيعذب في البول، واما الآخر فيعذب في الغيبة) ـ رواه احمد، قال الحسن البصري: واللّه للغيبة أسرع في دين الرّجل من الأكلة في الجسد، وقال أيضاً: يا بن آدم إنّك لن تصيب حقيقة الإيمان حتّى لا تعيب النّاس بعيب هو فيك، وحتّى تبدأ بصلاح ذلك العيب فتصلحه من نفسك، فإذا فعلت ذلك كان شغلك في خاصّة نفسك. وأحبّ العباد إلى اللّه من كان هكذا، ويقول البخاري: ما اغتبت أحدًا قط منذ علمت أن الغيبة حرام، وعن كعب الأحبار: الغيبة تحبط العمل وسمع علي بن الحسين رجلاً يغتاب فقال: إياك والغيبة فإنها إدام كلاب الناس. وَإِذَا كَانَتِ الغِيبَةُ تَحمِلُ كُلَّ هَذَا السُّوءِ، فَإِنَّ ثَمَّةَ نَوعًا مِنهَا أَعظَمَ ذَنبًا وَأَكبَرَ جُرمًا، إِنَّهُ البُهتَانُ، حِينَ يَظلِمُ المَرءُ أَخَاهُ بِذِكرِهِ مَا لَيسَ فِيهِ، وَهِيَ الكَبِيرَةُ الَّتي حَذَّرَ المَولى جَلَّ وَعَلا عِبَادَهُ مِنهَا حَيثُ قَالَ: (وَالَّذِينَ يُؤذُونَ المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكتَسَبُوا فَقَدِ احتَمَلُوا بُهتَانًا وَإِثمًا مُبِينًا) (الأحزاب ـ 58).
إن في الصيام تتجلى عند الصائمين القوى الإيمانية والعزائم التعبدية يدعون ما يشتهون ويصبرون على طاعة ربهم، وفي الصيام يتجلى في نفوس أهل الإيمان الانقياد لأوامر الله، وهجر الرغائب، والمشتهيات، يدعون رغائب حاضره لموعد مغيب لم يروه إنه قياد للشهوات وليس انقيادا لها، وفي النفوس نوازع شهوة وهوى، وفي الصدور دوافع غضب وانتقام، وفي الحياة تقلب في السراء والضراء، وفي دروب العمر خطوب ومشاق ولا يدافع ذلك إلا بالصبر والمصابرة ولا يحتمل العناء إلا بصدق المنهج وحسن المراقبة، وما الصوم إلا ترويض للغرائز وضبط النوازع، والناجحون عند العقلاء هم الذين يتجاوزون الصعاب ويتحملون التكاليف ويصبرون، وفي الشدائد تعظم النفوس ويعلو أصحابها حين تترك كثير من الملذات وتنفطم عن كثير من الرغائب.

إلى الأعلى