الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سر السعادة (3)

سر السعادة (3)

سر السعادة في الصلاة، فبالصلاة يطمئن القلب، وتهدأ النفس، وتروق الحياة، فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(وجعلت قرة عيني في الصلاة) ـ رواه النسائي والبيهقي والطبراني وغيرهم، وعن حذيفة ـ رضي الله عنه ـ قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى) ـ رواه أبو داود وأحمد، ويقول ـ عليه الصلاة والسلام:(قم يا بلال فأرحنا بالصلاة) ـ رواه أبو داود وأحمد.
والصلاة ذكر لله تعالى، يقول تعالى:(إِنَّنِي أَنَا اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) (طه ـ 14)، ويقول تعالى:(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّـهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّـهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد ـ 28)، ويقول تعالى محذرًا المؤمنين:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المنافقون ـ 9)، قال كثير من المفسرين: المراد بذكر الله هنا الصلوات الخمس.
ويقول سيد قطب في معرض تفسيره لقول الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة ـ 153).
هنا تبدو قيمة الصلاة .. إنها الصلة المباشرة بين الإنسان الفاني والقوة الباقية. إنها الموعد المختار لالتقاء القطرة المنعزلة بالنبع الذي لا يغيض. إنها مفتاح الكنز الذي يغني ويقني ويفيض.
إنها الانطلاقة من حدود الواقع الأرضي الصغير إلى مجال الواقع الكوني الكبير. إنها الروح والندى والظلال في الهاجرة، إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب المكدود .. ومن هنا كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا كان في الشدة قال:(أرحنا بها يا بلال) ويكثر من الصلاة إذا حزبه أمر ليكثر من اللقاء بالله.
إن هذا المنهج الإسلامي منهج عبادة. والعبادة فيه ذات أسرار. ومن أسرارها أنها زاد الطريق. وأنها مدد الروح. وأنها جلاء القلب. وأنه حيثما كان تكليف كانت العبادة هي مفتاح القلب لتذوق هذا التكليف في حلاوة وبشاشة ويسر .. إن الله سبحانه حينما انتدب محمداً (صلى الله عليه وسلم) للدور الكبير الشاق الثقيل، قال له:(يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً، نصفه أو انقص منه قليلاً، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً، إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً) فكان الإعداد للقول الثقيل، والتكليف الشاق، والدور العظيم هو قيام الليل وترتيل القرآن .. إنها العبادة التي تفتح القلب، وتوثق الصلة، وتيسر الأمر، وتشرق بالنور، وتفيض بالعزاء والسلوى والراحة والاطمئنان (المصدر: سيد قطب: في ظلال القرآن).
سر السعادة في الثقة بالله تعالى فالثقة بالله تعالى منة جلى، ونعمة كبرى، ومنحة عظمى؛ تفتح باب الرحمة والتفاؤل والأمل، وتغلق نوافذ اليأس، وتدفع دواعي الكسل، وتوصد أبواب الاتكالية، وتوجب الاستعانة بالله تعالى مع الأخذ بالأسباب المشروعة الممكنة، فالثقة بالله تعالى تقتضي الانقياد الكامل لله تعالى، وتفويض الأمر كله إليه سبحانه؛ امتثالاً لقول الله عزَّ وجلَّ:(وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (غافر ـ 44).
وعلى العبد أن يحسن الظن بالله تبارك وتعالى فقد جاء في الحديث أن واثلة بن الأسقع دخل على يزيد بن الأسود يريد عيادته، فقال له: كيف ظنك بالله؟ قال: ظني بالله والله حسن، قال: فأبشر، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(قال الله جلَّ وعلا: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيرًا، وإن ظن شرًا، فظنوا بالله تعالى الظن الحسن، وثقوا به سبحانه في المنن والمحن).
فإذا أوصدت الأبواب، ونفدت الأسباب، فباب الله تعالى مفتوح، وهو سبحانه وتعالى مسبب الأسباب، فما على العبد إلا أن يقرع باب الكريم؛ فمن قال: يا رب، أجابه الله تعالى: لبيك يا عبدي، يقول الله تعالى:(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة ـ 186)، ويقول تعالى: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ اللَّـهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) (النمل ـ 62)، ويقول تعالى:(ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس ـ 103)، ويقول تعالى:(وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنبياء 87 – 88) .. وللحديث بقية.

يوسف بن ابراهيم السرحني

إلى الأعلى