الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطابة وفن الإلقاء

الخطابة وفن الإلقاء

تحديد موضوع الخطبة:
حدد موضوعك مسبقاً، حتى يتسنى لك الوقت للتفكير فيه طيلة أيام التحضير.
بعض الخطباء يقترف خطأًً كبيراً باختيار المواضيع التي تهمه وإهمال المواضيع التي تهم المستمعين. لذلك ادرس جمهورك، وفكر باحتياجاته ورغباته.
التفكير الصحيح:
التفكير والاستنتاج والتذكر من أهم مقومات التحضير الجيد، وبالتالي فهو يحتاج إلى التركيز وإعمال الذهن.
إذا حددت موضوع خطبتك اكتب جميع الأفكار المتعلقة بالمادة التي تخطر ببالك، ودع عقلك يبحث عن المزيد منها، تلك هي الطريقة التي من خلالها يتدرب العقل على الإنتاج وبها تبقى عملياتك الذهنية نشطةً وبناءةً.
فكر بالموضوع مراراً، ناقشه مع أصدقائك واجعله موضوع حديثك، اسأل نفسك جميع الأسئلة الممكنة التي تتعلق به. فإذا كنت تتحدث مثلاً عن الطلاق، اسأل نفسك ما هي أسباب الطلاق وما هي نتائجه الاقتصادية والاجتماعية .. الخ.
وينبغي أن يكون التفكير في جو هادئ بحيث لا يحول بينك وبين حديث النفس ومراجعة العقل أي حائل، كما ينبغي أن تكون عند التفكير والإلقاء فارغاً من الشواغل النفسية، مقللاً من الطعام والشراب حتى لا تذهب بِطنتك بفِطنتك، وتكون نشيطاً خفيف الروح حاضر الذهن سريع البديهة.
الجمع والانتقاء:
على الخطيب أن يجيد التعامل مع المراجع المتعلقة بموضوعه، يأخذ منها الأدلة التي تقوي حجته، ويقتبس منها الشواهد والملح التي تثري خطبته.
أمام الخطيب سيل جارف من المعلومات، فما الذي يختاره منها ليقدمه إلى مستمعيه؟.
من العيوب التي يقع فيها بعض الخطباء أنهم ينقلون المعلومات لمجرد النقل بعيداً عن النظر والانتقاء، بل ربما نقل بعضهم الخطبة بكاملها قبيل وقت إلقائها، فأنـى لهذا أن يكون ملماً بموضوعه، فضلاً عن أن يكون مؤثراً في خطابه.
إن الجمع والانتقاء الذكي يقوم على أمرين:
أ ـ روح الوفرة (العمق والشمولية): العمق والشمولية في جمع المعلومات له عدة فوائد منها: التأكد من صحة المعلومات الواردة في الخطبة، وانتقاء أفضل المعلومات وأنسبها لتحقيق الهدف من الخطبة، واكتساب الخطيب قوة مؤثرة في إلقاء الخطبة بسبب إلمامه الوافر وقناعته بما يعرضه على الناس.
ب ـ حسن التميز: وذلك باختيار أنسب المعلومات، وصياغتها بأرقى العبارات، ثم دمجها في وحدة فنية متجانسة.
كما قال أحد الباحثين: أنتجت مليون عينة نباتية لأجد واحدة أو اثنتين منها أفضل من سائر العينات، وبعد ذلك أتلفت جميع العينات الرديئة.
ج ـ صياغة الخطبة: تبنى الخطبة عادة على ثلاثة أجزاء، أولاً: المقدمة، ثانياً: الموضوع، ثالثًا: الخاتمة.
عناصر متداخلة متناسقة، يبلغ الترابط بينها جودته حسب مقدرة الخطيب وغزارة علمه وخبرته. وقد لا يلزم مراعاة هذه الأجزاء في كل خطبة، لكن الخطب الطويلة كخطبة الجمعة غالباً ما تبنى على هذه العناصر.
أولاً ـ المقدمة: ينبغي أن يهتم الخطيب بمقدمته وافتتاحيته، فيأتي بعبارات الاستهلال التي توحي للسامع بمقصود الخطبة، مما يشد الانتباه ويهيئ النفوس، وقد يكون ذلك بآيات قرآنية زاجرة أو مرغبة أو بعض الحكم البليغة، وإن الناظر في افتتاحيات السور في القرآن الكريم يدرك ما تثيره في النفس من الإجلال والشوق والرغبة في المتابعة، وومعروف عند المتقدمين من السلف ـ رحمهم الله ـ أن ما لا يبتدأ بالحمد فهو الأجذم الأبتر، وما لم يزين بالصلاة على رسول الله فهو المشوه.
كيف تفتتح الخطبة؟
من المهم أن تفتتح بمقدمة مثيرة، وبشيء يأسر الانتباه في الحال، وإذا أردت أن تستخدم مقدمة يجب أن تكون قصيرة كلائحة الإعلان لأن ذلك يتطابق مع مزاج المستمع للحديث الذي لسان حاله يقول: أعطنا ما عندك بسرعة واجلس.
ومن الخطأ الذي يقترفه الخطيب المبتدئ الاعتذار في مقدمته بكونه ليس بخطيب، أو أنه ليس لديه ما يقوله، فهذا الأمر يضعف تفاعل الجمهور معه، ولا تفعل ذلك أبداً، بل ابدأ بشيء مثير منذ الجملة الأولى، وليس الثانية أو الثالثة.
مقترحات للافتتاحية: إثارة الانتباه: أَثِرْ انتباه جمهورك منذ أول جملة، فإنك بهذا تحوز على اهتمامهم ومتابعتهم، وإن الجملة الابتدائية تثير الفضول، وتمضي بنا قدماً، فنرغب في متابعة الاستماع إلى الخطيب، فإنه بذلك يشوقنا، والناس مجبولون على حب الاستطلاع، ومعرفة ما أخفي عنهم. ولذا فإن فن الإضمار يعتبر من أهم وسائل إثارة فضولهم وانتباههم.
مثال تطبيقي: تأمل في أسلوب الإضمار الذي اعتمد عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) في هذه الخطبة، ومدى تأثيره في المخاطبين، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ـ رضي الله عنه ـ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ:(عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ) فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَبَكَى فَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) هُوَ الْمُخَيَّرُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ.
. قصة مثيرة: إنها بداية مثيرة جداً، فالنفوس تحب الاستماع إلى القصص والروايات ومتابعة أحداثها أكثر من الكلام النظري المجرد.
سؤال يحرك الأذهان: من الافتتاحيات المميزة أن يبدأ الخطيب بطرح سؤال لاستدراج الجمهور إلى التفكير، والتعاون معه.
إن استخدام هذا السؤال الافتتاحي هو واحد من أبسط وأضمن الطرق لفتح أذهان جمهورك والدخول إليها.
مثال تطبيقي: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ:(ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ) قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ:(إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَه، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ:(أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَن يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّار).
ضرب الأمثال: يصعب على المستمع العادي أن يتتبع العبارات المجردة طويلاً. لكن من السهل عليه الاستماع إلى الأمثلة. لماذا إذن لا تبدأ بواحد منها؟ افتتح بمثل، أثر الاهتمام، ثم تابع تقديم ملاحظاتك العامة.
مثال تطبيقي: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ:(أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ. هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ قَال:َ فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا).
عَنْ أَبِي مُوسَى ـ رضي الله عنه ـ عَنْ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ:(إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السُّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَة).
عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأنْصَارِيِّ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): (مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِه).
. الاستعراض: من الطرق السهلة لجذب الانتباه استعراض شيء يتطلع إليه المخاطبون.
مثال تطبيقي: عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ـ رضي الله عنه ـ قال: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) حَرِيرًا بِشِمَالِهِ وَذَهَبًا بِيَمِينِهِ ثُمَّ رَفَعَ بِهِمَا يَدَيْهِ فَقَالَ:(إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لإِنَاثِهِمْ).
ربط الموضوع بمصالح المستمعين، أو واقعهم الملموس: ابدأ ببعض الملاحظات التي تعالج مباشرة مصالح جمهورك الشخصية. فهذه من أفضل الوسائل الممكنة للبدء بالخطبة. ومن المؤكد أن تستحوذ على الانتباه. فنحن نهتم جداً بالأشياء التي تمسنا أو تمس واقعنا الذي نعيشه.
أمثلة تطبيقية: قال تعالى:(الم، غلبت الروم) الآيات إلى قوله:(ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم).
مدخل إلى الحديث عن الإيمان:(السعادة مطلب كل إنسان فأيّنا لا يحب أن يكون سعيداً، والأمن من أهم مقومات الحياة فمن منا تستقر حياته بلا أمن، إن السعادة والأمن ثمرتان من ثمار الإيمان، فبالإيمان يسعد الإنسان ويتحقق الأمان .. الخ).
قوة الانتباه الناتجة عن الحقائق الباهرة: إن الحقائق الباهرة عبارة عن سلسلة من الصدمات، فهي توقظنا من أحلام اليقظة وتسلب انتباهنا، وهذه الحقائق يمكن أن يعرضها الخطيب بأرقام معبرة، أو أوصاف ساحرة، أما الأرقام المعبرة فإن لغة الأرقام من أقوى اللغات، فالرقم الواحد قد يحدث أثراً في النفوس لا تحدثه آلاف الكلمات، وأما الأوصاف الساحرة فإنها تشد انتباهنا شدًّا أقوى من المعلومات المجردة.
أمثلة تطبيقية: أرقام معبرة: افتتاحية عن الالتزام بالحجاب الشرعي:(تقول إحدى الدراسات الميدانية المنشورة بمجلة الدعوة أن 86% من النساء اللواتي يلبسن العباءة على الكتف بدون حجاب يتعرضن للمعاكسة)، وافتتاحية عن التدخين:(خلال عشر سنوات يبلغ طول السجائر التي يدخنها المدخن العادي الذي يدخن عشرين سيجارة فقط يومياً: خمسة كيلو مترات وأربعين متراً، كل هذه الأمتار تصب في بدنه سموماً قاتلة)، وافتتاحية عن تربية الأبناء على الصلاة:(أظهرت نتائج بحث أجري بإحدى المدارس الحكومية، نشرته جريدة الوطن أن 60% من الطلاب لا يؤدون الصلاة).
.. يتبع.

احمد خشبة

إلى الأعلى