الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الكِبر من شر المعاصي ومن أعظم الكبائر

الكِبر من شر المعاصي ومن أعظم الكبائر

حمود الصوافي:
من الصفاتِ الذميمةِ والآفاتِ العظميةِ التي حذّرَ منها اللهُ ورسولُه غايةَ التحذيرِ هو الكبْر الذي ابتُلي به كثيرٌ من الناسِ

على المسلمِ أن يجتنبَ الكِبرَ وأن يعالجَه ويدفعَه عن نفسِه بأن يعرفَ فقرَه وحاجتَه وأصلَه ونشأتَه

اعداد ـ علي بن صالح السليمي:
ضمن الخطب القيّمة التي القاها فضيلة الشيخ الجليل/ حمود بن حميد بن حمد الصوافي .. اخترنا لك عزيزي القارئ احدى هذه الخطب والتي هي بعنوان:”الكِبر من شر المعاصي ومن أعظم الكبائر” .. حيث ان الخطبة تعتبر من اهم الوسائل الدعوية التي استخدمها فضيلته في هذه الحياة ..
يستهل فضيلة الشيخ حمود الصوافي في هذه الخطبة قائلاً: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، الحمدُ للهِ الكبيرِ المتعال ، ذي الجلالِ والإكرامِ ، سبحانه له المجدُ والثناءُ ، والعظمةُ والكبرياءُ (وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ((الجاثية ـ 37)، نحمَدُهُ ونسْتعِينُهُ ونستَهْدِيهِ، ونؤمِنُ بِهِ ونتوكّلُ عليهِ، ونسْتَغفِرُهُ ونتُوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أنفُسِنَا ومِنْ سيّئاتِ أعمالِنَا، مَنْ يهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشْهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وحْدَهُ لا شريكَ لهُ ، لهُ المُلْكُ ولهُ الحمدُ ، يُحيِى ويُمِيتُ وَهُوَ حيٌّ لا يَموتُ، بِيدِهِ الخيرُ وَهُوَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ ، وأشْهدُ أنَّ سيّدَنا ونبيَّنا محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، أرسلَهُ بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى اللهِ بإذنِهِ وسراجاً مُنيراً، أرسلَهُ رحمةً للعالَمينَ، وسراجاً للمُهتدِينَ ، وإماماً للمُتقينَ ، فبلغَ الرِّسالةَ ، وأدّى الأمانةَ ، ونصَحَ الأُمَّةَ ، وكشَفَ الغُمَّةَ ، وجاهدَ في سَبيلِ ربِّهِ حتى أتاهُ اليقينُ (صلى الله عليه وسلم)، وعلى آلِهِ وصحْبِهِ ، وعلى كُلِّ مَنِ اهْتدى بهدْيهِ، وسارَ على نهجِهِ، واستنَّ بسُنَّتِهِ، ودعا بدعْوتِهِ إلى يومِ الدِّينِ ، أمّا بعدُ: فيَا عِبادَ اللهِ أُوصِيكم ونفْسِي بتقوى اللهِ ، والعملِ بما فيهِ رِضاهُ ، فاتقوا اللهَ وراقبوهُ ، وامتثِلُوا أوامِرَهُ ولا تعصُوهُ ، واذكُرُوهُ ولا تنسوهُ ، واشكُرُوهُ ولا تكفُرُوهُ .
وقال فضيلته : اعلموا أنَّ من الصفاتِ الذميمةِ والآفاتِ العظميةِ والخصالِ المهلكةِ التي حذّرَ منها اللهُ سبحانه وتعالى ورسولُه غايةَ التحذيرِ هو الكِبْرُ الذي ابتُلي به كثيرٌ من الناسِ، فصارَ سبباً لهلاكِهم ، والكِبْرُ هو من شرِّ المعاصي ومن أعظمِ الكبائرِ ، هو داءٌ وبيلٌ ، ومرضٌ اجتماعيٌّ خطيرٌ ، يسلبُ الفضائلَ ، ويَكسبُ الرذائلَ ، ويورثُ الحقدَ ، ويثيرُ الغضبَ ، ويُعمي المرءَ عن عيوبِه ، ويحولُ بينه وبين العلمِ والانقيادِ للحقِّ ، فما من خُلُقٍ ذميمٍ إلا والكبرُ يجرُّ إليه ، وهو أول ذنب استوجب به إبليس اللعنة ، يقول عز من قائل:(قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ، قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) (ص 75 ـ 78).
مؤكداً بقوله: وقد أوضحَ الرسولُ (صلى الله عليه وسلم) معنى الكبرِ في الحديثِ الذي رواه مسلمٌ عن عبدِاللهِ بنِ مسعودٍ ـ رضيَ اللهُ عنه ـ عن النبيِّ (صلى الله عليه وسلم) قال: (لا يدخلُ الجنّةَ مَن كانَ في قلبِه مثقالُ ذرّةٍ من كبرٍ)، فقالَ له رجلٌ: إنَّ الرجلَ يحبُّ أن يكونَ ثوبُه حسَناً ونعلُه حسناً ، قالَ: (إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ، الكبرُ بَطَرُ الحقِّ وغمطُ الناسِ، فبطَرُ الحقِّ : دفعُه وردُّه على قائلِه، وغمْطُ الناسِ: احتقارُهم والازدراءُ بهم)، فالرسولُ (صلى الله عليه وسلم) يبيّنُ في هذا الحديثِ أنَّ التجمّلَ في المظهرِ واللباسِ أمرٌ محبوبٌ عند اللهِ سبحانه وتعالى، وليس هو الكبرَ، وإنّما الكِبرُ صفةٌ باطنةٌ في القلبِ، تظهرُ آثارُها في تصرّفاتِ الشخصِ ، فتحملُه على عدمِ الانقيادِ للحقِّ وعلى احتقارِ الناسِ ، فإبليسُ لما تكبّر على آدم ـ عليه السلامُ ـ حملَه ذلك على الامتناعِ من امتثالِ أمرِ اللهِ له بالسجودِ، يقولُ عزَّ من قائلٍ:(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) (البقرة ـ 34).
وقال فضيلته: والكِبْرُ هو الذي حملَ الكفارَ على مخالفةِ الرسلِ لمّا جاءوهم بالآياتِ البيّناتِ (فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِين ((النمل 13 ـ 14)، والكبرُ هو الذي يحملُ بعضَ الناسِ على تركِ عبادةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ودعائِه، يقولُ عزَّ من قائل:(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) (غافر ـ60).
وقال: والكبرُ هو الذي يحملُ بعضَ الناسِ الذين أُوتوا شيئاً من الثروةِ أو الرياسةِ أو الوِلايةِ على التخلّفِ عن صلاةِ الجماعةِ ، فترى المسجدَ قريباً من دارِ أحدِهم، وهو يسمعُ النداءَ، ولا تدعُه نفسُه يذهبُ إلى المسجدِ ليقومَ بين يدَيْ اللهِ مع المصلِّين ؛ لأنّه يرى نفسَه أكبرَ من ذلك، والكبرُ هو الذي يحملُ بعضَ الناسِ على تركِ العملِ بسنّةِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم)، رويَ أنَّ رجلاً أكلَ بشمالِه عند النبيِّ (صلى الله عليه وسلم)، فقالَ له ـ عليه الصلاةُ والسلامُ:(كلْ بيمينك، قالَ : لا أستطيعُ ، قالَ: لا استطعتَ)، ما حملَه على ذلك إلا الكبرُ، فأُصيبت يمينُه بالشللِ ، فلم يستطعْ أن يرفعَها بعد ذلك، والكبرُ هو الذي يحملُ بعضَ الناسِ على تركِ تعلّمِ العلمِ النافعِ، قالَ بعضُ السلفِ: إنَّ هذا العلمَ لا ينالُه مستحٍ ولا مستكبِرٌ.
وقال مخاطباً الحضور: أيُّها المسلمون لقدْ جاءَ التحذيرُ الشديدُ والزجرُ البالغُ عن الكِبْرِ في كثيرٍ من الآياتِ القرآنيةِ والأحاديثِ النبويةِ ، يقولُ عزَّ من قائلٍ:(وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) (الإسراء ـ 37)، ويقولُ سبحانه: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور) (لقمان ـ 18) ويقولُ جلَّ شأنُه: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص ـ 83)، وجاءَ عن النبيِّ (صلى الله عليه وسلم) :(اجتنبوا الكِبْرَ فإنَّ العبدَ لا يزالُ يتكبّرُ حتى يقولَ اللهُ تعالى : اكتبوا عبدي هذا في الجبّارين) ، وفي حديثٍ آخرَ : (لا يزالُ العبدُ يذهبُ بنفسِه ـ أي يترفّعُ ويتكبّرُ ـ حتى يُكتَبَ في الجبّارين ، فيصيبَه ما أصابَهم)، ورويَ عنه ـ عليه الصلاةُ والسلامُ :(يُحشَرُ المتكبِّرون يومَ القيامةِ أمثالَ الذرِّ، يطؤهم الناسُ، يغشاهم العذابُ من كلِّ مكانٍ)، ورويَ عنه ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ :(لا يدخلُ النارَ من كانَ في قلبِه مثقالُ حبّةٍ من خردلٍ من إيمانٍ ، ولا يدخلُ الجنّةَ أحدٌ في قلبِه مثقالُ حبّةٍ من خردلٍ من كِبْرٍ)، وجاءَ عنه (صلى الله عليه وسلم):(ألا أخبرُكم بأهلِ النارِ ؟ كلُّ عُتُلٍّ جوّاضٍ مستكبرٍ)، فالعُتُلُّ : هو الغليظُ الجافي، والجوّاضُ: هو الجموعُ المنوعُ ، وجاءَ عنه ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ :(ما من رجلٍ يختالُ في مشيتِه ، ويتعاظَمُ في نفسِه إلا لقيَ اللهَ وهو عليه غضبان)، وجاءَ عنه (صلى الله عليه وسلم):(إنَّ اللهَ أذهبَ عنكم نخوةَ الجاهليةِ وتكبّرَها بالآباءِ ، كلُّكم لآدم وآدم من ترابٍ ، ليسَ إلا مؤمنٌ تقيٌّ أو فاجرٌ شقيٌّ وأكرمُكم عند اللهِ أتقاكم)، وفي الحديثِ القُدُسيِّ:(الكبرياءُ ردائي ، والعظمةُ إزاري ، فمَن نازعني واحداً منهما قذفتُه في النارِ) فعبّرَ بالإزارِ والرداءِ عن الخصوصيّةِ أي إنَّ العظمةَ والكبرياءَ مختصَّانِ بي، فلا يُنازِعُني أحدٌ في شيءٍ منهما كما يختصُّ أحدُكم بإزارِه وردائِه، فلا ينازِعُه فيهما منازِعٌ .
مؤكداً فضيلته: ان على المسلمِ أن يجتنبَ الكِبرَ، وأن يعالجَه ويدفعَه عن نفسِه بأن يعرفَ فقرَه وحاجتَه وأصلَه ونشأتَه ، يكفيه أن ينظرَ إلى أصلِه الذي خُلِقَ منه ، وإلى مصيرِه الذي سيصيرُ إليه (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى ، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى، أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى) (القيامة 37 ـ 40) ، (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ، إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (الإنسان 1 ـ 3) ، (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ، مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ *ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ ، كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ((عبس 17 ـ 23) ، نفعني اللهُ وإياكمْ بِهدْي كتابِهِ .

* المصدر:(موقع القبس الالكتروني لعبدالله القنوبي)

إلى الأعلى