الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (93)
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد: فـلا زال الحـديث مـوصولا عـن الاتـقان،
وفي الحـديث النبـوي الشـريف، يقـول:(مـن ولي مـن أمـر المسلـمين شـيئاً، فـولى رجـلاً وهـو يجـد مـن هـو أصلـح للمسلـمين مـنه، فـقـد خـان الله ورسـوله)، وفي رواية:(مـن قـلـد رجـلا عـملا عـلى عـصابة (أي عـلى جـماعة)، وهـو يجـد في تـلك العـصابة أرضى مـنه فـقـد خـان الله، وخـان رسـوله، وخـان المـؤمـنين).
وعـن عـبـد الله ابن مسعـود ـ رضي الله عـنه ـ قال: قال رجـل لـرسـول الله (صلى الله عـليه وسلم)، كـيف لي أن أعـلم إذا أحـسـنت وإذا أسـأت؟ قال النبي (صلى الله عـليه وسلم):(إذا سـمعـت جـيرانـك يقـولـون: أن قـد أحـسنت فـقـد أحـسنت، وإذا سمـعـتهـم يقـولـون: قـد أسأت فـقـد أسأت) رواه البخاري.

* مـن مـواقـف الـرجـال:
(إن مـن البيان لسحـرا)
يحـكى أن عـمـرو بن الأهـتم التـميمي المنقـري وفـد والـزبرقان بن بــدر التميمي السـعـدي عـلى رأس وفـد بني تـمـيـم عـلى الرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) فـسأل الرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) عـمـرو بن الأهـتم قـائـلاً: أخـبرني عـن الـزبـرقان بن بـدر، فـقال عـمرو بن الأهــتم: هـو مـطـاع في أدانيه (يقـصـد أهـله وعـشيرته) شــديـد العـارضة، مانع لـما وراء ظهـره، أي: بـطـل شـجـاع يحـمي العـشـيرة.
فـلم يعـجـب هـذا الـكلام الـزبـرقان بن بـدر فـقال الـزبـرقان: والله يا رسـول الله، لـقـد عـلـم مـني أكـثر مـن هـذا ولـكـن حـسـدني، فـقـام عـمـرو بن الأهـتم مـغـضباً فـقال: أما والله يا رسـول الله إنه لـزمـر الـمـروءة (يقـصد قـليـل الـمـروءة)، ضـيـق العـطـن (أي ضـيـق الصـدر)، أحـمـق الـوالـد، لـيـئـم الخـال.
وقال: والله يا رســول الله، ما كـذبت في الأولى، ولـقـد صـدقـت في الأخـرى، رضيـت عـن ابن عـمي فـقـلت فـيه أحـسن ما فـيه ولـم أكـذب، وسـخـطـت عـلـيه فـقـلت أقـبح ما فـيه ولـم أكـذب أيضاً، حـينـئـذ قال النبي (صلى الله عـليه وسـلم):(إن مـن البـيان لسحـراً).
ويقال إن اسـم عـمـرو بن الأهـتم: عـمـرو بن سـنان بن سـمي التميمي المنقـري، أبـو ربـعـي أحـد السادات، الشـعـراء والخـطـباء الـبـلـغـاء في الجـاهـليـة والإسـلام، وهـو صاحب البيـت المشهـور:
لعـمري ما ضاقــت بـلاد بأهـلها
ولـكن أخـلاق الـرجال تضـيـق
وأما الـزبـرقان بن بــدر التميمي السعـدي، قـيـل اسمه الحـصـيـن ولـقـب بالـزبـرقـان: لحـسـن وجهه (والـزبـرقان اسـم مـن أسماء القـمـر)، ولاّه الـرسـول جـمع صدقات قـومه ، فـبـقي إلى زمـن أمـير الـمـؤمنين عـمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عـنه.

مـعـاوية ورجـل مـن الأنصار
بين مـعـاوية بن أبي سـفـيان ورجـل مـن الأنصـار، روي أن معـاوية ابن أبي سـفـيان خـطــب الناس يـوما يـفـخـر بقـومه فـقـال: أيها الناس إن الله فـضـل قـريشـا بـثـلاث: فـقـال لنبيه (عـلـيه الصـلاة والسلام):(وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشـعـراء ـ 214)، فـنحـن عـشـيرته الأقـربـون وقال:(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ..) (الـزخـرف ـ 44)، فـنحـن قـومه، وقال:(لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ، إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْت، الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) (قـريش 1 ـ 4)، ونحـن قـريـش.
فأجابه رجـل مـن الأنصار، فـقال له: عـلى رسـلـك يا معـاوية، فإن الله تـبارك وتعـالى يقـول :(وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ..) (الأنعـام ـ 66)، وأنـتـم قـومه وقال:(وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) (الـزخـرف ـ 57) وأنــتم قـومـه، وقال الله عـلى لسان رسـوله ـ عـليه الصـلاة والسلام:(وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (الفـرقان ـ 30)، وأنـتم قـومه، ثـلاث بـثلاث، ولـو زدتـنا يا مـعـاويـة لـزدنـاك ، فأفـحـمه ولـم يخـش بأسـه.

مـن المواقـف المسكـتة
قال معـاوية لـرجـل مـن أهـل اليـمـن: ما كان أجـهـل قـومك حـين ملـكـوا عـليهـم امـرأة، فـقال الـرجـل: أجهـل مـن قـومي قـومـك الـذين قـالـوا حـين دعاهـم رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم):(وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (الأنفـال ـ 32) ولـم يقـولـوا: اللهـم إن كان هـذا هـو الحـق مـن عـنـدك فاهـدنا إلـيه.
وقال مـعـاوية بن أبي سـفـيان لجارية بن قـدامة: ما كان أهـونـك عـلى أمـك حـين سـمـتـك جـارية ، قال جـارية بـل أنـت أهـون حـيـن سـمـتك أمـك مـعـاوية، وهي أنثـى مـن الـكلاب، قال لـه مـعـاوية: لا أم لك، قال جارية: أمي ولـدتني للسـيـوف التي لـقـيناك بها، ولا زالـت بأيـدينا نسـتعـملها في محـلها إذا اقـتضى الأمـر، أنها الشـجاعـة الـنـادرة، وهـكـذا يجـب أن يـكـون المـؤمـن قـوياً.
قال معـاوية إنـك لـتهـددني، قال جـارية: إنـك لـم تـفـتحـنا قـسـراً، ولـم تملكـنا عـنـوة، ولـكـنك أعـطـيتـنا عهـداً وميثاقاً، وأعـطـيناك سـمعـا وطاعـة، فإن وفـيت لنا وفـينا لـك، وإن فـزعـت إلى غـير ذلك، فإنا تـركـنا وراءنا رجـالاً شـداداً وألسـنة حـداداً وسـيـوفاً صـقـالاً.
قال له مـعـاوية: لا كـثر الله في الناس أمثالك، قال جارية: قـل معـروفاً وراعـنا فإن شـر الـدعـاء المحـتـطـب.
وقال مـعـاوية لصحار بن العـباس العـبـدي: يا أزرق قال له صحـار: الـبازي أزرق قال لـه مـعـاوية يا أحـمـر، قال صحار: الـذهـب أحـمـر، قال مـعـاوية ما هـذه البـلاغـة فـيكـم عـبـد القيـس؟.
قال صحار: شيء يخـتلـج في صـدورنا فـتـقـذفه ألسنـتـنا كـما يـقـذف البحـر الـزبـد، قال معـاوية: فـما البـلاغـة عـنـدكـم؟ قال صحـار البـلاغـة عـنـدنا: أن نقـول فـلا نخطيء، ونجـيب فـلا نبطـيء.
ودخـل يـزيـد بن أبي مسـلـم وكان كاتـب الحـجاج بن يـوسـف عـلى سـليمان بن عـبـد الملـك بن مـروان، فـقال لـه: امـرؤ أوطـأك رسـنـك وسـلطـك عـلى الأمـة لعـنه الله، فـقال يـزيـد: يا أمـير المـؤمنيـن إنـك رأيـتني والأمـر مـدبر عـني ولـو رأيتـني والأمـر مـقـبـل عـلي لعـظـم في عـينـيك ما اسـتـصـغـرت مني، قال أتـظـن الحـجـاج اسـتـقـر في قـعـر جـهـنـم أم هـو يهـوي فـيها؟.
قال يا أمـير المـؤمنيـن: إن الحجاج يأتي يـوم القـيامة بين أبـيـك وأخـيـك، فـضـعـه مـن الـنـار حـيث شـيئت.
وقال مـروان بن الحـكـم للحـسـن بن دجـلة: إني أظـنـك أحـمق؟ قال الحسـن: ما يكـون الشـيخ إذا أعـتـمل ظـنه إلا أحـمـقـاً.
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى