الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من صفات المتقين : الإنفاق الواجب والمستحب في وجوه الخير

من صفات المتقين : الإنفاق الواجب والمستحب في وجوه الخير

نعم الله سبحانه وتعالى كثيرة لا تعد ولا تحصى (وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها) (إبراهيم ـ 34)، ومن أعظم النعم: نعمة المال والرزق، هذه النعمة التي تقوم عليها وتؤدي من خلالها كثير من النعم، ولا يستغني عنها مخلوق حي حتى الطيور تبحث عن أرزاقها في غدوها ورواحها.
وهذا المال مال الله تعالى يودعه عباده، ليبتليهم أيشكرونه أم يكفرونه، قال تعالى:(وأمددناكم بأموال وبنين) (الإسراء ـ 6)، وقال سبحانه:(وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم) (العنكبوت ـ 60).
وقال ـ جل وعلا:(لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) (إبراهيم ـ 7).
أنواع الإنفاق المشروع وصوره:
من حقوق المال إنفاقه في الأوجه المشروعة وهي نوعان:
أ‌ ـ واجب: كالإنفاق على النفس والولد والزوجة ، وأداء الزكاة المفروضة ونحو ذلك.
ب‌ ـ مستحب: كصدقة التطوع، والإنفاق في أوجه البر المتنوعة كالنفقة على اليتامى والأرامل والفقراء والمساكين، كالهبات والهدايا، والتبرع لمؤسسات البر والإغاثة ونحو ذلك .
آداب الإنفاق:
لكي يؤدي الإنفاق تلك الثمار العظيمة والفوائد الجليلة لابد وأن يكون المنفق مستحضراً آداباً مهمة فيه، وهي:
1 ـ الإخلاص: وهو يعني تجريد العبودية لله تعالى لا يشوبها شائبة رياء أو سمعة أو غيرهما، فإذا أنفق على نفسه وأسرته ينفق شاكراً لله تعالى على ما أعطاه من هذه المال، حامداً له على هذه النعمة، وإذا أنفق على الفقراء والمساكين، أو مشاريع الخير وأعمال البر يريد الأجر والثواب من هذه الإنفاق، يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم):(إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).
فمن انفق يبتغي الأجر فله ذلك، ومن أنفق رياء أو سمعة أخذ حظه من ثناء الناس في الدنيا، وليس له حظ في الآخرة ، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(إن أول الناس يقضي عليه يوم القيامة ثلاثة ..)، ومنهم:(رجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال جواد ، فقد قيل، فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار) ـ (رواه مسلم).
2 ـ عدم المن والأذى: المن هو: التحدث بما أعطي حتى يبلغ ذلك المعطي فيؤذيه، والأذى هو: السب والتطاول والتشكي، وعدم المن والأذى هو الأدب الثاني الذي يتفق مع ما فطر الله تعالى النفس الإنسانية عليه من الكرامة والعزة ، فتلك النفس تأبى أن يكون هذا العطاء مقروناً بمن أو أذى، إذا أن هذا المن يخدش كرامة النفوس الكريمة ويجرح مشاعرها، ويستذلها بمنته، ويشعرها بالصغار والهوان.
من هنا جعل الله سبحانه الصدقات المقرونة بالمن والأذى باطلة غير مقبولة، يقول الله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ما له رياء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين) (البقرة ـ 264).
ولخسة نفس المنان بعطيته، ولؤم طبعه ورغبته في الاستعلاء الكاذب، وتطلعه إلى إذلال الناس، جعله الرسول (صلى الله عليه وسلم) من الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، وهم كما في الحديث:(المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) ـ (رواه مسلم).
3 ـ الإنفاق من المال الطيب: لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، فقد أمر سبحانه بالإنفاق من الطيب المحبوب للنفس، فأحب لأخيك ما تحب لنفسك، يقول تعالى آمراً بالإنفاق من الطيبات (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقوا ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه وأعلموا أن الله غني حميد) (البقرة ـ 267)، والبر والأجر إنما ينال بالإنفاق من المال الطيب المحبوب، يقول الله تعالى:(لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون).
4 ـ الاعتدال في الإنفاق: لأن المال أمانة عند صاحبه، فهو مال الله تعالى، رزقه هذا الإنسان، ليتعامل به وفق منهج الله تعالى، فلا يتعالى فيه فيبذر ويسرف ويتجاوز القصد والاعتدال، ولا يقتر فيشح ويبخل ويمسك، قال تعالى مادحاً المؤمنين الذين يسلكون هذا المنهج:(والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) (الفرقان ـ 67).
الإنفاق بين السر والعلانية: لقد شَرَعَ اللهُ تعالى في القرآنِ الكريمِ إنفاقَ السِّر إلى جانبِ إنفاق العَلانية، وَجَعَل كليْهِما سلوكًا عامًّا للمؤْمنين، ومَدَحَ كلا النَّوعين في سياقٍ واحدٍ فقال سبحانه وتعالى:(إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير)، هذه الآية الكريمة تُفيد أنَّ الصدقات في كلِّ أحوالها خيرٌ محضٌ، ما دام المنفِقُ قد خَلُص من الرياء وجانَبَ المنَّ والأذى، وإذا كان ثمة تفاوتٌ فهو في حالِ النَّفْسِ والاحتياط للرياء وسدِّ مداخله، فالإنفاقُ في كلا الحالين ـ في السِّر وفي العلانية ـ مشروعٌ ومحمودٌ.
آيات الإنفاق في السر والعلانية وتربيتها لِنَفْسِ المنفق:
يُلاحَظ في آياتِ الإنفاقِ في القرآنِ الكريمِ عامَّةً، من خلالِ التأمُّلِ والتدبُّرِ: أنَّها كثيرًا ما تربط بين عمليَّة الإنفاق وبين تربية الأفراد وتوجيهِهم سلوكيًّا، وهذا يشير إلى أهمِّيَّة الدَّور التَّربوي في نشاط الإنفاق بشكْلٍ خاصٍّ، وفي سائر الأنشِطة الاقتِصاديَّة بشكل عام.
والنَّفْسُ البشريَّة لَمَّا كان من طِباعِها حبُّ الثناءِ والمحمدةِ من الناس، والرَّغبة في تعجيلِ الشكر منهم، جاءتْ آياتُ الإنفاقِ لكي تُعالِجَ هذا الجانبَ وتُزكيَه وتُروِّضَه على ما هو أسمى وأعلى، فَدَعتْ الآياتُ القرآنيةُ المؤمنينَ إلى الإنفاق في السر والخفاء بعيدًا عن أعيُن الناس، بل كلُّ آياتِ الإنفاقِ قدَّمتْ في سياقِها الإنفاقَ سرًّا على الإنفاقِ جهرًا؛ وذلك للإشارة إلى أفضليَّة إنفاق السِّر، وذلك كما في قولِه سبحانه وتعالى:(قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ)، وقوله تعالى:(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون).
فالإنفاق في السر يُرَبِّي في نَفْسِ المنفِقِ الإخلاصَ لله تعالى وَحُسْنَ المراقبةِ له؛ “إذ في السريَّة سدٌّ لكلِّ ذرائع الرِّياء ولذلك كان السرُّ خيرًا للمُعطي؛ إذ فيه احتياطٌ لنفسِه من أن يدخلها داءُ الإنفاقِ وهو الرِّياء، فإذا كان في الجهر فائدةُ الثناء، ففي السرِّ فائدة الاحتياط من الرِّياء، وذلك خيرٌ من كل ثناء.
ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ الإنفاقَ في السِّر يُعوِّدُ الأفرادَ على البذلِ ويُسهِّلُه عليهم، ويُعينهم على تأدية سائر واجباتهم المالية لأنَّ الذي يَعتادُ على الإنفاقِ في السِّر لن يَثْقُلَ على نفسِه الإنفاقُ جهرًا وعَلَنًا، وخاصَّةً حينما تُفرَضُ عليه بعضُ الوظائفِ المالية من قِبَلِ الدَّولة على سبيل المثال، فَضلاً عن سائِر الواجبات المالية الأخرى، كالإنفاقِ على الأقارب وعلى من تَجِبُ نفقتُهم عليه.
وبعد الإنفاق في السِّر يأتي الإنفاقُ في العلانية وهو أنْ يُنفِقَ المرءُ أمامَ مرأى الناس، وهنا تُوكَلُ نياتُ الأفرادِ إلى الله سبحانه وتعالى ولكنْ مِنَ المتوقَّعِ بعد التدريب العملي على الإخلاصِ لله تعالى ومراقبتِه، عن طريق الإنفاق في السِّر، أن تكون نيَّةُ المُنفِقِ في العَلانية خالصةً لله تعالى، ولعلَّ هذا يكون مَقصِدًا من مقاصدِ تشْريعِ كلا النَّوعين: الإنفاق في السِّر والإنفاق في العَلانية.
فأثرُ الإنفاقِ في العلانيةِ بالنسبة للمُنفِقِ هو غَرْسُ معاني الإخلاص والعبوديَّة لله سبحانه تعالى والتَّأكيدُ عليها؛ لأنَّ الإعلانَ بالعمل والجهرَ به لا يقْدح بالنيَّةِ الصادقةِ والقلبِ المتوجِّه إلى الله تعالى، خصوصًا أنَّ الإنفاقَ في السِّر مشروعٌ لإحكام معنى الإخلاص لله سبحانه وتعالى في نفوس المؤمنين، وبالتالي سيَضمن ذلك صلاحَ النيةِ بالنسبة إلى المُنفِق علانيةً إلى حد كبير، ولن يخشى المُنفِقُ حينئذٍ من بطلان عملِه الذي أعَلَن وجَهَر به، وهذا جانبٌ تربوي عظيم لِمَنْ تأمَّله.

وهكذا يُسْهِمُ الإنفاقُ في السِّر والإنفاقُ في العَلانية في تكوين الشخصية الاقتصادية الإسلامية السويَّة، فهي متصلةٌ بربِّها وخالقها حينما تقوم بممارسة دورِها الاقتصادي، وتحترم القوانين والأنظمة ولا تتجاوزها باحتيالٍ أو مراوغة، وتَجعل رقابةَ اللهِ تعالى فوقَ كلِّ رقابة، وما أحوجَ الأنظمةَ الاقتصادية في عصرنا المادِّي الحاضر لمثل هذه التربية الربَّانية للأفراد .. وللحديث بقية.

إعداد ـ محمد عبد الظاهر عبيدو
إمام وخطيب جامع محمد الأمين

إلى الأعلى